الفاتحة، وفي أول البقرة يومئ السياق القرآني الحكيم إلى ذلك في قوله تعالى:"ذك الكتاب لا ريب فيه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" [البقرة: 2] ..
ولما افتتح سبحانه الفاتحة بالأمر الظاهر المحكم الذي يلتبس"الحمد لله رب العالمين"؛ وكان وراء كل ظاهرٍ في عالم الشهادة غيب وباطنٌ يجب على المتقين الإيمان به .. افتتح الله تعالى هذه السورة بما بطن سره وخفي أمره إلا على من شاء الله تعالى فقال سبحانه:"الم"وهى الحروف المقطعة التي يجب الايمان بحكمتها وتفويض معانيها للرب العلى إيمانا بالغيب الذي امتحن الله تعالى المتقين به ومدحهم على الإيمان به وبأمثاله من الغيب ... ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه: لكل كتاب سر وسر القرآن أوائل السور، وقال الشعبي: سر الله تعالى فلا تطلبوه.) [1]
(وَإِذا كَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ عَهْدٍ بِإِقَامَةِ الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ وَاسْتِقْلَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَتِهِمْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ هذه الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِعَنَاصِرَ مُفْسِدَةٍ فاسدة حاسدة .. تفسد مَا أَقَامَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الصَّلَاحِ الذي تسعى فيه لِتَكْوِينِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الدَّجَلِ وَالدَّخَلِ.
وَإِذْ كَانَتْ سورة البقرة أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَقَدْ عُنِيَ بِهَا الْأَنْصَارُ وَأَكَبُّوا عَلَى حِفْظِهَا، يَدُلُّ لِذَلِكَ مَا جَاءَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهُ لَمَّا انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ: «اصْرُخْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا أَهْلَ السَّمُرَةِ (يَعْنِي شَجَرَةَ الْبَيْعَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ) يَا أَهْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» فَقَالَ الْأَنْصَارُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» قَالَ مَالِكٌ إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا) ... [2]
(1) مستفادٌ من تفسير الألوسي = روح المعاني (1/ 101) بتصرف وصياغةٍ وتلخيص.
(2) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور رحمه الله (1/ 202) بتصرف يسير.