فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 604

بأوليائه؛ قطعها بينه وبين المنافقين، خلى بينهم وبين أنفسهم، تركهم في ظلماتهم تلعب بهم شياطينهم كما قال سبحانه:"نسوا الله فنسيهم"، وقال:"نسوا الله فأنساهم أنفسهم".

الثانية: تأمل قوله تعالى"أضاءت ما حوله"انظر كيف جعل ضوئها خارجا عنه منفصلا؟ ولو كان متصلا بذلك المنافق ملابسا لم يذهب، ولكن النور كان مجاورا ولم يكن مخالطًا ملابسًا. فالنور في قلبه عارض والظلمة أصلية، وقد رجع كلٌ إلى أصله. الثالثة: تأمل قوله تعالى"بنورهم"ولم يقل بضوئهم مع قوله"فلما أضاءت ما حوله"لأن الضوء هو زيادة في النور، فإن ذهب النور فلا يتصور بقاء أى ضوء. وهذا أبلغ في النفى والذهاب.

الرابعة: تأمل كيف قال الله"ذهب الله بنورهم"فوحد النور، ثم قال"وتركهم في ظلمات"فعدد الظلمة لأن الحق واحد؛ وهو صراط الله المستقيم الذي لا يقبل من أحد طريقا سواه، وهو عبادة الله وحده بما شرعه على لسان رسله، لا بالأهواء والبدع. أما طرق الضلال فمتشعبة متعددة. قال الله:"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتضل بكم عن سبيله".

الخامسة: تأمل"ذهب الله بنورهم ولم يقل"نارهم"لأن النار فيها الإحراق والإشراق، فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق، وترك ما فيها من الإهلاك والإحراق. وكذلك حال المنافقين ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقيت حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم؛ وقلوبهم قد صليت بحرها وأذاها فأصلاها الله يوم القيامة نارا مؤصدة .. ) [1] ."

وهكذا يطالعنا القرآن بأول أمثاله عن طائفةٍ هى الأخطر على الإسلام وأهله، ولا ننفك نجدها تكشف عن وجهها القبيح على مدى تاريخه. ولا يتصور متأملٌ للقرآن أن القرآن أطال في وصفهم وكشفهم وهو يقصد الذين على عهد الرسول صلى الله عليه وآله- وإنما هم في كل زمان ومكان ..

وقد ذكرهم القرآن بالوصف الكاشف في كثير من آياته لخطورتهم على مسار الدعوة الإسلامية وللتحذير من طرقهم ..

وهم في عصرنا هذا يلبسون مسوح العلماء وناصحي الأمة ولا هم لهم إلا زعزعة ثوابتها ..

يخرجون علينا كل يوم بألاعيب جديدة بدعوى العقل والفهم عن الله، أو بدعوى حب آل البيت والدفاع عنهم، أو بدعوى فساد تاريخ الإسلام ورموزه، أو بدعوى تجديد الدين لمواكبة العصر، أو بدعوى تخليص الدين من الشوائب والبحث العلمي النزيه فيه، أو بدعوى مواكبة الدين للسياسة، أو بدعوى تصفية القلوب بالتصوف والوصول إلى المعرفة المباشرة عن الله ...

(1) أفاده العلامة ابن القيم رحمه الله في اجتماع الجيوش الإسلامية بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت