فهرس الكتاب
غيرها. [1] فاقترض العرب قبل الإسلام وبعده ألفاظًا أجنبية كثيرة، وجلّ ما اقتبسوه من الفارسية، ويليها اليونانية واللاتينية وسائر اللغات السامية. [2] واستعمل بعض الشعراء الجاهليين ألفاظًا مقترضة مثل عدي بن زيد العبادي، والأعشى، ثم تواتر ورود تلك الألفاظ الأعجمية في شعر بعض الشعراء الإسلاميين كالفرزدق وجرير والأخطل، إلى جانب ورود ألفاظ أعجمية عدة في القرآن الكريم. [3]
وازداد احتكاك العرب بالأجانب مع مجيء الإسلام، من خلال الفتوحات والهجرات والرق، ويبرز ذلك في بداية القرن الثاني الهجري حين اتسع نشاط الثقافة العربية تأليفًا وترجمة. فانتقلت من الفارسية إلى العربية في عصور الاحتجاج أسماء بعض الآنية والمعادن والأحجار الكريمة وألوان الخبز والطهي والرياحين والطيب والمنتجات الزراعية والصناعية والحربية التي اشتهر بها الفرس. ومن أشهر ما انتقل إلى العربية في عصور الاحتجاج من اليونانية عن طريق مباشر، أو عن طريق السريانية أسماء بعض آلات الرصد والجراحة وبعض مصطلحات الطب والفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية وأسماء بعض المعادن والوظائف والمنشآت المعمارية وأدوات البناء والموازين والأمتعة [4] .
ويلاحظ أن عدد الألفاظ الدخيلة قليل جدًا إذا ما قيس بمفردات اللغة العربية التي دخلت اللغات الأخرى، أو نسب إلى عدد مفردات الفصيحة. وتقتصر الألفاظ الدخيلة على الحسيات، أي ما استحدث من آلات ووسائل ولا تتجاوز ذلك إلى المعنويات. على عكس المصطلحات العربية التي ولجت ساح اللغات الأخرى من خلال المعنويات مثل المفاهيم الشرعية أو الخلقية أو النفسية [5] .
فكان الاقتراض متبادلًا بين العرب وتلك الشعوب آنذاك، إذ نقل العرب تراثهم إلى تلك الشعوب، كما ترجم العرب علوم تلك الشعوب إلى العربية. وبدأ نقل علوم اليونان والفرس والهند إلى العربية في أواخر عهد الأمويين، فاقتبست العربية بعض الألفاظ الأعجمية، مثل: دينار، درهم، بريد، ديوان، طراز، رستاق. ومنذ ذلك التاريخ ظهرت نواة التأليف والترجمة، ولكن هذه الحركة الثقافية لم تتقدم إلا في العصر العباسي، أيام المنصور وهارون الرشيد، ولم تبلغ أوجها إلا في عصر ابنه المأمون, الذي يعدّ العصر الذهبي الذي نقلت فيه جملة كبيرة من علوم القدماء كالطب والفلسفة والرياضيات والفلك والكيمياء والطبيعة وغيرها. واستمر هذا النقل بعد المأمون. فظهرت مصطلحات معربة كالسرطان، والذبحة والربو والاستسقاء والبواسير والقولنج والسرسام. [6]
(1) - ينظر: عبد الباقي، ضاحي. المصطلحات العلمية والفنية وكيف واجهها العرب المحدثون، ص 62 - 63.
(2) - الشهابي، مصطفى. المصطلحات العلمية، ص 21.
(3) - ينظر: عيد، محمد. المظاهر الطارئة على الفصحى، ص 156. ورواي، صلاح. فقه اللغة وخصائص العربية، وطرائق نموها، ص 246 - 247.
(4) - وافي، علي عبد الواحد. فقه اللغة، ص 198، وما يليها.
(5) - البرازي، مجد الدين الباكير. مشكلات اللغة العربية المعاصرة، ص 160.
(6) - ينظر: الشهابي، مصطفى. المصطلحات العلمية، ص 15، وما يليها.