فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 232

كما أُدخلت الكلمات الأعجمية إلى اللغة العربية مع الحروب الصليبية. إذ بدأ نجم المدنية العربية يخبو، ولاسيما بعد أن استولى التتر والمغول والسلاجقة والعثمانيون وغيرهم على البلاد العربية، وأصبحت البلاد الأوروبية تتقدم، والبلاد العربية تتأخر.

وظلّ الأمر على هذه الحال إلى العصر الحديث، إذ وجدت العربية نفسها أمام حضارة أخرى ذات ألوان مختلفة لم تنبت في أرضها أو بيئتها، وأخذت من هذه الحضارة منذ مطلع العصر الحديث جميع مخترعاتها بأسمائها وألفاظها الأعجمية [1] . وازداد انتشار الألفاظ المقترضة في اللغة العربية في العصر الحديث، مع نمو الاتصال بين الشرق والغرب، ومع قيام النهضة العلمية العربية الحديثة التي بدأت في مصر تليها الشام، ثم إلى سائر الأقطار العربية، ففي مصر بدأت نهضتها مع حملة نابليون في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد، وما جلبه من مطابع وما أسسه من مجامع ومدارس وجرائد ودار كتب ومراصد جوية ومختبرات كيميائية ومسارح التمثيل. أما في الشام فتعزى طلائع النهضة الحديثة إلى مدارس الإرساليات الدينية في بيروت ولبنان ومدارس الجمعيات الإسلامية في دمشق [2] . ثم ازداد انتشار الألفاظ الأجنبية في العصر الحديث، نتيجة عوامل عدة، منها: ازدياد فرص الاحتكاك والاتصال تبعًا لتوثيق الروابط الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية. بالإضافة إلى عوامل الاتصال الحضارية كدور وسائل الإعلام المسموعة والمرئية التي حملت في بعض طياتها غزوًا ثقافيًا واجتماعيًا وفكريًا، [3] إلى جانب توسيع شبكات الاتصال العالمية بين الشعوب.

وتنوعت المفردات الأجنبية في العصر الحديث، واختلفت باختلاف طبيعة الحياة الحضارية وتغير اللغات المؤثرة؛ فشاعت المفردات العثمانية والفارسية، في المراحل الأولى من العصر الحديث، في بعض المجالات مثل، المهن والرتب العسكرية وبعض الألعاب والأطعمة والأدوات المنزلية والمفروشات والألبسة وفي المقامات الموسيقية، ثم تراجع تأثير هاتين اللغتين منذ النصف الثاني من القرن الماضي، لتحلّ محلهما اللغات الأوروبية كالإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية وغيرها، إذ ظهرت مفردات أجنبية جديدة تعبر عن ظواهر حضارية مستجدة، تحمل هويّة الدول المصدرِّة لتلك المستوردات العلمية والحضارية والفكرية المختلفة، من ذلك، اللغة الإنكليزية التي برزت في بعض المجالات ولاسيما في الألعاب الرياضية ووسائل النقل، إلى جانب مصطلحات فرنسية وإيطالية في مجالات الألبسة والأقمشة وأدوات الزينة والأطعمة، إلا أن نصيب الإيطالية كان أكبر من الفرنسية في مجالات الموسيقا والفنون المختلفة والمفروشات والمصطلحات التجارية، ومعظم هذه المصطلحات الأجنبية مقتبسة من أصول إغريقية ولاتينية، ولاسيما في المصطلحات العلمية.

(1) - خليل، حلمي. دراسات في اللسانيات التطبيقية، ص 305.

(2) - الشهابي، مصطفى. المصطلحات العلمية، ص 35، وما يليها.

(3) - الخوري، شحادة. دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، ص 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت