فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 232

ثمة آراء متأثرة بالمنهج التاريخي رأت أن القدماء اشتقوا من المعرب، فقالوا هندس: ودرهم، وخندق، وقرطس، وعلى ذلك سار المعاصرون فقالوا مغنط، وأكسد، ورأى أن أقيسة الاشتقاق معلومة في اللغة وليس لنا أن نتعداها إلى ما ليس له قياس أو ما لا يشتق منه كما نبه عليه أئمة اللغة، اعتمادًا على مسلك أحمد بن فارس، وأنه ليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير ما قالوه ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه، لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها [1] . فهذا الرأي يدعو إلى التقيّد بمناهج القدماء في التعريب حصرًا، وبعدم تجاوزها.

وهناك من اقترح بإخضاع بعض الاقتراضات اللغوية للصيغ العربية، من مثل أخذ الألفاظ التي لها أشباه في اللغة فتنضم بسهولة تامة إلى السلاسل اللغوية كقلم على وزن علم، وتلفزة على وزن فلسفة، وغاز على وزن نار. [2] وثمة من رأى أن الأعجميات الثقيلة على اللسان والمخالفة للعربية تنبذ أو تقصر، لتوزن وزنًا حتى يأنس إليها أبناء لغتنا، أما الأعجميات الخفيفة اللفظ والوزن فتقبل وتدوّن"فلم، بالون، مناورة"من المستحسنات، ومثل ذلك فعل أجدادنا [3] . واقترح آخر أن يستعاض عن بورجوازية بـ (برجزة) قياسا ًعلى (تلفزة) الدالة على المصدر، في حين أن (تلفاز) يمكن أن يعتمد للدلالة على الجهاز، وسَتْرجة عوضا ًعن"استراتيجية"، وعن"تكنولوجية"بـ"تقنلة"، وذلك كله قياسًا على تلفزة، وكذلك ميكانيكا بـ"ميقنة"قياسا ًعلى"صيدلة وبيطرة"الدالتين على المهنة. [4]

فهذه الاقتراحات جاءت متأثرة بالمنهج التاريخي، في اتّباع نهج القدماء في التعريب في الاشتقاق من المعرب، من خلال تقريب المعربات إلى أوزان وصيغ عربية والقياس على مقاييسهم. وعلى هذا المنهج سار المجمع العلمي العربي بدمشق الذي أقرّ قاعدة لنقل الألفاظ الأجنبية إلى العربية، وهي: إنه إذا كانت اللفظة مما عرفه العرب فيجب البحث عنها ونشرها، وإذا كانت مما استحدث بعد العرب ولم يكن في ألفاظهم ما يشبهها بأقل ملابسة نظر فيها فإن وافقت الأوزان والحروف العربية كانت هي المراد بلفظها وإلا غير بعض أحرفها أو حركاتها لتوازن العربية ويسهل اللفظ بها. فكان لمجمع دمشق موقف محافظ تجاه اشتقاق المعرب، آثر فيه اتباع منهج القدماء، السماعيين والقياسيين.

وعلى هذا المنهج جاءت قرارات مجمع اللغة العربية في القاهرة تجاه التعريب: فمن حيث المبدأ، لا مانع من التعريب، طوعًا لقرار المجمع في إجازة استعمال بعض الألفاظ الأعجمية، عند الضرورة، على طريقة العرب في تعريبهم، ولا مانع أيضًا من الاشتقاق من المعرب، طوعًا لقرار المجمع في جواز اشتقاق الفعل من الاسم الجامد المعرب، ووزنه من الثلاثي وغير الثلاثي، أما في التطبيق فيقتصر في الاشتقاق من المعرّب على الحاجة العلمية، ويعرض ما يوضع من المشتقات من المعرّب على المجمع للنظر فيه، طوعًا لقرار المجمع. وتوافق اللجنة على أن يقرّ المجمع ما جرى به الاستعمال من تلك الأفعال التي أوردها الباحث لمجيء اشتقاقه

(1) - عيسى، أحمد. التهذيب في أصول التعريب، ص 117.

(2) - بيلا، شارل. اللسان العربي، ج 5، ص 54.

(3) - الكرملي، عبد القادر. اللغة والتجدد، ص 142، عن الأب أنستاس الكرملي.

(4) - ابن عيسى، حنفي. في المعجمية العربية المعاصرة، ص 428.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت