الأخرى، وهذا اللاتناظر والاختلاف في طبيعة التركيب في اللغة، يؤدي إلى إحداث ثغرات لغوية بين اللغات، فيما إذا اُعتمدت طريقة التناظر اللغوي بين اللغات عند نقل المصطلحات.
وفي هذا المجال هناك من يصف طبيعة اللغات اللاتينية بأن الفردية غالبة عليها وأن الأصول المشتركة ضاعت والملامح المتشابهة زالت، لفقدان العنصر الثابت، حتى لا يبقى من الأحرف الأصلية إلا حرف أو حرفان لا تدل على الاشتراك وقد لا يبقى منها شيء مطلقًا إما لزوالها في تقلب الكلمة في تصاريفها، وإما لتطور أصوات الحروف، تطورها أبعدها عن أصلها. وقد تختلف المعاني العامة لاختلاف الأصول التي ترجع إليها وتعددها. ففي العربية مثلًا هناك، كتاب ومكتبة ومكتب وكاتب وكتب، أما في الفرنسية فهناك (مكتبة عامة (livre ,bibliote'que ، و(librarie محل بيع الكتب) ، فالرابطة الاشتقاقية متفككة، كما تفككت في المدنية الحديثة روابط الأسرة وتقطعت الأرحام، وظلت الرابطة الاشتقاقية في العربية كالرابطة النسبية في أفراد العرب [1] .
غير أن هذه الخاصّة في إطلاق صفة الاشتقاقية على اللغة العربية، تستدعي بعض التحفظ والمراجعة. فالربط بين مشتقات الجذر الواحد يرجع إلى الدراسات المنطقية التي شاعت منذ القرن الأول الميلادي، حين لفت انتباه القياسيين الإسكندرانيين المظهر العضوي المنظِّم للغة، وانسجام مقولاتها، فرأوا فيها بنيانًا مؤسسًا على قواعد ثابتة، فراحوا يرجعون كل شيء إلى هذه القواعد. فهذا الربط الاشتقاقي بدأ مع المنطقية، ثم عُزز ودُعم مع الدراسات التاريخية والمقارنة اللتين انبثقتا من النظرية الطبيعية في التطور، التي صنفت اللغات إلى أسر وعائلات اعتمادًا على الأسس اللغوية المشتركة في طبيعة تركيب اللغات. غير أن الملاحظ في المصطلحات الحديثة أنه لم يعد يراعى الترابط الاشتقاقي بين مواد المدخل الواحد، لغزارة تدفق المصطلحات في كل مجالات المعرفة والعلم، إذ تتكاثف الجهود من أجل وضع المصطلحات لمقابلة الابتكارات والاختراعات المتجددة، وذلك محاولة مواكبة التسارع المعرفي والعلمي، ووسط هذا التزاحم المعرفي وتسارعه أصبح من الصعب المحافظة على الترابط المعنوي بين اشتقاقات مواد المدخل الواحد، فلم يعد يراعى الانسجام والترابط الاشتقاقي بين مواد المدخل الواحد، بل تركز الاهتمام على إيجاد تسمية أو مقابل للمصطلح الجديد بأسرع وقت. وما أكثر حالات عدم انسجام مواد المدخل الواحد ولاسيما في المصطلحات العربية الحديثة، من ذلك مثلًا، تناقض العلاقة بين عمر والاستعمار (إذ بدأها الغرب بمصطلح الإعمار، غير أن هذه الحال لم تدُم) ، وبين أصل واستأصل (استأصل الشيءُ: ثبت وقوي، واستأصل الشيءَ: قلعه بأصله) ومثل هذه الظاهرة تثير مسألة التضاد في معاني المادة الواحدة التي تسهم في دحض الخاصة الاشتقاقية في اللغة العربية، وتؤكد عدم مراعاة الانسجام بين اشتقاقات مواد المدخل الواحد أو تناقضها أحيانًا. (وسيعرض البحث المزيد من هذه الأمثلة في تفكك الرابطة المعنوية للمادة العربية الواحدة، عند دراسة المشكلات الدلالية التوليدية في الفصل الثاني) .
هذا على صعيد الترابط المعنوي، أما على صعيد المبنى فيلاحظ أن النحت والتركيب كليهما شكل من أشكال الاشتقاق، فهذه الأنواع كلها تعتمد على إضافة الزوائد، من سوابق ولواحق ودواخل. وقد سمّى القدماء
(1) - ينظر: المبارك، محمد. خصائص العربية، ومنهجها الأصيل في التجديد والتوليد، ص 26، وما يليها.