فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 232

غير زيادة، وأن كل ذلك يجري وفق قواعد مضبوطة دقيقة نادرة الشذوذ [1] . فيرى أتباع هذا الاتجاه في هذه الظاهرة امتيازًا للغة العربية، لأنها تحقق الاختزال والتيسير، فقد يدل الوزن الواحد في العربية على معان متعددة فوزن (فعيل) يدل على الصفة الثابتة، نحو (كريم، شريف، خبير) وعلى الصوت نحو (صهيل، زئير، عويل) ، ويدل وزن (فِعال) على مصدر فاعل يفاعل (كقتال وسباق) ، وعلى أدوات وآلات مثل (إناء، حزام) ، وعلى جمع فعيل أحيانًا (كرام، لئام، طوال) ، وغير ذلك من معان كثيرة التي عددها ابن قتيبة في أدب الكاتب وغيره. وقد يدل على المعنى الواحد عدد من الأوزان، فمبالغة اسم الفاعل تدل عليها صيغة (فعّال ومفعال وفعول وفعل وفعّيل) ، وعلى الأصوات (فُعال وفَعيل) ، وقد وردت الألفاظ الدالة على الآلات والأدوات بأوزان عدة منها (فاعول، وفِعال، وِفعل، ومِفعال) [2] . وأن صيغة مثل"مَفعَل"تصلح للتعبير عن اسمي الزمان والمكان، وعن المصدر الميمي. وهناك الفعل المزيد أيضًا مثل مَرحَبَ، مَدرَع، وقريب من هذا ما تراه في"مِفعَل"، فهي قالب لاسم الآلة ومبالغة اسم الفاعل، نحو مِطعن، ومِصعَد ومِشرَط، ومثل هذا في"مِفعال"أيضًا. وترد كل من الصيغتين"فَعِيل"و"فَعول"للدلالة على الصفة المشبهة، ومبالغة اسمي الفاعل والمفعول. وإن الصيغة الواحدة قد تحمل في الزاوية المحددة من أبعادها المختلفة، دلالات صرفية كثيرة. من ذلك أن"أفعل"حين تُخصص للفعل الماضي مثلًا ترد للتعدية: أضحك، والمطاوعة: أكبَّ، والإزالة: أعذر، والجعل: أهدى، والصيرورة: أثمر، والإصابة: أكبر، والبلوغ: أصبح، والمبالغة: أضاء، والإغناء عن المجرد: أفلح. ثم ترد للتسمية والدعاء والاستحقاق والهجوم والتعريض والكثرة والإعانة ونفي الغريزة. وربما وجدت كلمة واحدة بلفظ معين، تتضمن معاني عدة، نحو: مختار ومُحتال ومُشتد ومَحتلّ، إذ يشترك فيه المصدر الميمي والصفة المشبهة وأسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والذات [3] .

فيرى هذا الفريق أن الأفعال تؤدي وظيفة صرفية هي الاتصاف بالحدث والزمن، وتؤدي وظائف صرفية فرعية، تتعدد بتعدد الحالات التي تقبل فيها الأفعال المجردة أحرف الزيادة واللواصق الأخرى، فالتعدية، والصيرورة والمشاركة والموالاة والتعدية والإزالة والمطاوعة والاتخاذ والطلب والتحول والتحرك وغير ذلك، كلها وظائف صرفية معينة يؤديها الفعل عند اتصاله بالمختار من اللواصق والزوائد لكل وظيفة من هذه الوظائف، ولهذا قال علماء اللغة الأقدمون إن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى. وكذلك الأمر في الصفات والأسماء [4] . وهكذا يرى هذا الفريق أن توظيف مبنى صرفي للدلالة على عدد من المعاني، سمة للغة العربية لتحقيق الاختزال والتيسير، ووسيلة لإغناء دلالات الصيغة الواحدة، من أجل مواكبة التطورات الحضارية الكبيرة في مختلف المجالات.

غير أن فريقًا آخر يقف موقفًا معاكسًا تجاه ظاهرة توظيف صيغة صرفية واحدة للدلالة على عدد من الوظائف لتنمية المصادر المصطلحية، فيرى أن ما ورد في القواعد المرعية من تشابه يؤدي إلى الالتباس بين

(1) - وافي، عبد الواحد. فقه اللغة، ص 211.

(2) - ينظر: المبارك، محمد. فقه اللغة، ص 115، وما يليها.

(3) - ينظر: قباوة، فخر الدين. الاقتصاد اللغوي في صياغة المفرد، ص 95، وما يليها.

(4) - فليش، هنري. العربية الفصحى نحو بناء لغوي جديد، دار المشرق، بيروت، ط 2، 1986، ص 207، وما يليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت