إلا أن من مآخذ هذه الطريقة أنها تؤدي إلى توليد تراكيب غريبة وهجينة؛ مؤلفة من لغات مختلفة وقد تكون متباعدة في أصولها وتراكيبها، ما يؤثر في خصوصية اللغة العربية.
3 -4 - 4 - المشكلات المعرفية: شكلت التراكيب اللغوية خصوصية لغوية بالغة الحساسية عند بعض الدارسين، فرأوا أن الدخيل ليس هو الخطر المحدق باللغة، بل يكمن الخطر في زعزعة النظام النحوي والصرفي وتشويهه، وإحلال غيره محله لأن النظام النحوي مرتبط بالفكر والذوق ارتباطًا مباشرًا، وهو كالسِمط الذي تنتظم فيه مراحل تاريخ الأدب والحضارة للأمة [1] . على خلاف الألفاظ الدخيلة التي تبقى محصورة في مجالها، ولا تؤثر في البنية اللغوية كما في النظام النحوي. فلا يمكن أن تستعار من لغة أجنبية صيغة نحوية مفردة، بل يستعار عادة النظام النحوي كله، وعندئذ نتخلى عن نظام اللغة الأصلية وهذا ما يسمى باستبدال اللغة بغيرها استبدالًا تامًا، إذًا فكل مجموعة من (الموافقات Concordances-) المطردة في الصيغ النحوية بين لغتين تدل على أن هاتين اللغتين تمثلان حالتين للغة واحدة تطورت فانتهت إليهما [2] .
من ذلك استعمال الفرنسيين مثلًا Me're- patrie للربط بين الوطن والأم الحنون، أما في العربية فأنزلوا"الوطن الأم"، ولكن الوطن مذكر في لغتنا، واقترح آخر"الوطن الأب"وكل هذا خاطئ، ويتنافى وخاصية اللغة العربية، إذ يُكتفى بكلمة"الوطن"للتعبير عن [3] Me're- patrie.
ويلاحظ أن نصيب العبارة كبير جدًا في الترجمة إلى العربية، فالمترجم الذي كثيرًا ما تنقصه الكلمات لأداء العبارة، يضيف معلومات لتأمين وضوحها، إنه يُعد بلاغة تنم عن نظام متكامل من الإحالات الثقافية ليجعل العبارة مفهومة لدى جمهور كبير [4] . فيشكل التفسير اللغوي حيزًا مهمًا في اللغة العربية في حين تميل الفرنسية - وغيرها من اللغات الأوروبية- إلى حذف التفاصيل التي تعيق القراءة [5] .
فقد يتألف التركيب العربي من جمل طويلة مثل: all- wave receiver: جِهاز لاقطٌ لجميع المَوجات، و all- welded structure: إنشاءٌ مَلحومٌ بأكمله، وقد لا يتقيد بالتركيب العربي نفسه أمام التركيب الأجنبي نفسه، إذ قد يكون المقابل العربي مركبًا من اسمين من مثل: all- wood construction: إنشاءٌ خَشَبي، فلا يوجد توافق اشتقاقي في التراكيب والاشتقاقات، ومن ذلك أيضًا، acatalasia: انعدام الكتالاز، و acathaphasia: مُعَاياة، و acathisia: زَلَزل [6] . (سيتضح بعض هذه النماذج من الأشكال المختلفة من التراكيب اللغوية في الفقرة القادمة في دراسة المعجمات التخصصية) .
(1) - ظاظا، حسن. كلام العرب، ص 89.
(2) - ماييه. منهج البحث واللغة، تر، محمد مندور، ص 101.
(3) - طبي، محمد. وضع المصطلح، المؤسسة العمومية الاقتصادية لترقية الحديد والصلب، الجزائر، ص 90، وما يليها.
(4) - ينظر: القاسم، فائزة الترجمة المتخصصة فرنسي -عربي (عمل المترجم) ، ص 113.
(5) - ينظر: القاسم، فائزة، المرجع نفسه، ص 119.
(6) -ينظر في هذه المواد: المعجم الطبي الموحد، مجلس وزراء الصحة العرب، اتحاد الأطباء العرب، منظمة الصحة العالمية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.