فهل يمكن الاستعانة بمصطلحات قديمة للدلالة على مفاهيم جديدة، اعتمادًا على تشابه في علاقة ما؟ الأمر الذي يؤدي إلى تغير المصطلح مع كل تغير يطرأ على هذه العلاقة تبعًا لتغير المناهج المستجدة. أم يكتفى عند الاستعانة بمصطلحات التراث، أن تكون المصطلحات متناسبة مع المفهوم العام، مع مراعاة أوجه المجاز، وألا تكون قائمة على علاقات زائفة. أو يُفضل الاستعانة بمصطلحات جديدة تعبر عن المفاهيم، لئلا يحصل هذا التغيير والتعدد والتشتت؟ وفي هذه الحال هل من الممكن أن يستوعب المصطلح كل معناه؟ وهل يشترط أن يطابق المعنى اللغوي المعنى الاصطلاحي مطابقة تامة، إذ يصعب استيعاب المصطلح لكامل المعنى، إذ أن المصطلحات قد تطلق إما بقرينة الشكل أو الوظيفة أو الحركة أوغيرها.
كما أن الاستعانة بالمفردات القديمة لإطلاقها على مصطلحات جديدة، لا تؤدي إلى التشتت والتعدد على صعيد المصطلحات التخصصية فحسب، بل على صعيد المصطلحات العامة أيضًا، فثمة ظاهرة ينبغي التنبه إلى خطورتها، تتعلق باستخدام مصطلحات لأغراض معينة، من خلال التلاعب بالألفاظ، محاولة تغيير الحقائق، فيؤدي إلى استنتاجات غير مرجوة. من ذلك أن هناك مصطلحات لم تراعِ الدقة عند الاستعانة بالمصطلح التراثي، وقد أدى هذا إلى سوء فهم، من مثل، مصطلح"الأصولية"الذي يتناقض مفهومه عند كل من العرب والغرب، فأحدث التباسًا بين المفهومين المعاصر والتراثي، فمصطلح الأصولية Fundamentalism يعني عند الغرب فرض هيمنة وسيطرة نموذج ثقافي، في حين أن الأصولي في المجال الثقافي العربي الإسلامي هو المشتغل بوضع المناهج والضوابط واستخراج القواعد الكلية عن طريق استقراء الأدلة المختلفة، إذ تغيب هذه المضمونات الحقيقية عن التداول العام، تحت توجيه القوى ووسائل الإعلام الدعائية للمجتمعات الغربية [1] .
وعلى هذه الشاكلة من المصطلحات التي أدت إلى الالتباس والتناقض في المفاهيم، المصطلح الأجنبي"Terrorism"، الذي ترجم إلى العربية بـ"الإرهاب"كترجمة للرعب والخوف، الأمر الذي أدى إلى إشكالات على صعيد اللغتين، المرسلة والمتلقية، فمن جانب اللغة المرسلة قُصِد بهذا المصطلح استخدام العنف لتحقيق أغراض سياسية وغيرها، ليشمل جميع أشكال العنف، مهما اختلفت الوسائل والأهداف، سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة، من دون أي تفريق أو تمييز. أما من جانب اللغة المتلقية، فقد نجم عن استخدام كلمة"إرهاب"التباس في فهمها، إذ فُهم عند بعضهم معنى التخريب والعنف، في حين فُهم عند بعض آخر معنى الجهاد، اعتمادًا على الآية القرآنية ( ... ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) [2] ، ما دفعهم إلى الاقتناع بشرعية جميع أشكال العنف.
وبالنظر إلى خطورة مثل هذه الحالات، لابد من مراعاة العلمية والوعي بشكل دقيق عند وضع المصطلح حتى لا يؤدي إلى إشكالات في فهم المصطلح فيحدث الضياع والتشتت في الأفكار، أو إلى الفوضى العملية.
(1) - للتوسع ينظر: شبار. الاصطلاحية الغربية تجاه الفكر الإسلامي، ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1996، ص 706، وما يليها. ويسري، عبد الرحمن. المصطلح الاقتصادي بين الفكر الوضعي والفكر الإسلامي في العصر الحديث، ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية، ص 810 - 811.
(2) --سورة الأنفال، آية 60.