فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 295

باب ما جاء في شهادة أركان الكافر و المنافق عليهما و لقائهما الله عز و جل

قال الله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } و قال: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون } و قال: { و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } الآية و ذكر أبو بكر بن أبي شيبة من [ حديث معاوية بن حيدة القرشي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: تجيئون يوم القيامة على أفواهكم الفدام و أول ما يتكلم من الإنسان فخذه و كفه ] و قد تقدم

مسلم [ عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم نضحك فقال: هل تدرون لم أضحك ؟ قلنا: الله و رسوله أعلم قال: من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ قال: يقول: بلا قال: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا و بالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطق فتنطق بأعماله قال: ثم يخلى بينه و بين الكلام قال: فيقول بعدا لكن و سحقا فعنكن كنت أناضل ] الترمذي [ عن أبي سعيد و أبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول: ألم أجعل لك سمعا و بصرا و مالا و ولدا و سخرت لك الأنعام و الحرث و ترأس و تربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا ؟ فيقول: لا فيقول: اليوم أنساك كما أنسيتني ] قال هذا حديث صحيح غريب و أخرجه مسلم عن أبي هريرة بأطول من هذا و قد تقدم

البخاري [ عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملك الأرض ذهبا كنت تفتدى به ؟ فيقول: نعم فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك ] و أخرجه مسلم و قال بدل [ قد كنت ] [ كذبت قد سئلت ما هو أيسر من ذلك ]

فصل: قوله عليه السلام [ فأول مايتكلم من الإنسان فخذه ] يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون ذلك زيادة في الفضيحة و الخزي على ما نطق به الكتب في قوله: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } لأنه كان في الدنيا يجاهر بالفواحش و يخلو قلبه عندها من ذكر الله تعالى فلا يفعل ما بفعل خائفا مشفقا فيجزيه الله بمجاهرته بفحشه على رؤوس الأشهاد

و الوجه الآخر: أن يكون هذا فيمن يقرأ كتابه و لا يعرف بما ينطق به بل يجحد فيختم الله على فيه عند ذلك و تنطق منه الجوارح التي لم تكن ناطقة في الدنيا فتشهد عليه سيئاته و هذا أظهر الوجهين يدل عليه أنهم يقولون لجلودهم أي لفروجهم في قول زيد بن أسلم لم شهدتم علينا ؟ فتمردوا في الجحود فاستحقوا من الله الفضح و الإخزاء نعوذ بالله منهما

فصل: قوله [ و تركتك ترأس و تربع ] أي ترأس على قومك بأن يكون رئيسا عليهم و يأخذ الربع مما يحصل لهم من الغنائم و الكسب و كانت عادتهم أن أمراءهم كانوا يأخذون من الغنائم الربع و يسمونه المرباع قال شاعرهم:

( لك المرباع منها و الصفايا ... و حكمك و النشيطة و الفضول )

و قال آخر:

( منا الذي ربع الجيوش لصلبه ... عشرون و هو يعد في الأحياء )

يقال: ربع الجيش يربعه إذا أخذ ربع الغنيمة قال الأصمعي: ربع في الجاهلية و خمس في الإسلام

و قوله: اليوم أنساك كما نسيتني أي اليوم أتركك في العذاب كما تركت عبادتي و معرفتي

فإن قيل: فهل يلقى الكافر ربه و يسأله ؟ قلنا: نعم بدليل ما ذكرنا و قد قال تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم } في أحد التأويلين و قال: { و لو ترى إذ وقفوا على ربهم } و قال: { أولئك يعرضون على ربهم } و قال { و عرضوا على ربك صفا } الآيتين و قال: { إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم } و قال: { و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم } إلى قوله { و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } و الآي في هذا المعنى كثير

فإن قيل: قد قال الله تعالى { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي و الأقدام } و قال عليه السلام: [ و يخرج عنق من النار فيقول: وكلت بثلاث بكل جبار عنيد و كل من جعل مع الله إلها آخر و بالمصورين ]

قلنا: هذا يحتمل أن يكون يكون بعد الوزن و الحساب و تطاير الكتب في اليمين و الشمال و تعظيم الخلق كما تقدم و يدل عليه قوله: و بالمصورين فإنهم كانوا موحدين فلا بد لهم من سؤال و حساب و بعده يكونون أشد الناس عذابا و إن كانوا كافرين مشركين فيكون ذكرهم تكرارا في الكلام على أنا نقول:

قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى الحساب جملة و جاءت الأخبار بذلك و في بعضها ما يدل على أن كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب فصار الناس إذا ثلاث فرق: فرقة لايحاسبون أصلا و فرقة تحاسب حسابا يسيرا و هما من المؤمنين و فرقة تحاسب حسابا شديدا يكون منها مسلم و كافر و إذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب

و قد ذكر ابن المبارك في دقائقه عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أن بعد أخذ النار هؤلاء تنشر الصحف و توضع الموازين و تدعى الخلائق للحساب

فإن قيل: فقد قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } و قال: { و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } و قال: { و لا يكلمهم الله } و هذا يتناول بعمومه جميع الكفار

قلنا: القيامة مواطن فموطن يكون فيه سؤال و كلام و موطن لا يكون ذلك فلا يتناقض الآي و الأخبار و الله المستعان

قال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها و لا يسأل في بعضها و قال ابن عباس: لا يسألون سؤالا شفا و راحة و إنما يسألون سؤال تقريع و توبيخ لم عملتم كذا و كذا و القاطع لهذا قوله تعالى: { فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون }

قال أهل التأويل عن لا إله إلا الله: و قد قيل إن الكفار يحاسبون بالكفر بالله الذي كان طول العمر دثارهم وشعارهم و كل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها و عاندوها فإنهم يبكتون عليها و يسألون عنها عن الرسل و تكذيبهم إياهم لقيام الدلائل على صدقهم

و قال تعالى: { و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون * و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } و الآي في هذا المعنى كثيرة و من تأمل آخر سورة المؤمنين { فإذا نفخ في الصور } إلى آخرها تبين له الصواب في ذلك و الحمد لله على ذلك

و ذكر ابن المبارك عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة: تنشر الصحف و توضع الموازين و يدعى الخلائق للحساب و شهر: ضغفه مسلم في كتابه و غيره

فإن قيل: فقد ذكر اللالكائي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لا يحاسب رجل يوم القيامة إلا دخل الجنة قالوا: و لأن الحساب إنما يراد للثواب و الجزاء و لا حسنات للكافر فيجازي عليها بحسابه و لأن المحاسب له هو الله تعالى و قد قال: { و لا يكلمهم الله يوم القيامة }

قلنا: ما روي عن عائشة قد خالفها غيرها في ذلك للآيات و الأحاديث الواردة في ذلك و هو الصحيح و معنى [ لا يكلمهم الله ] أي بما يحبونه قال الطبري: و في التنزيل { اخسؤوا فيها ولا تكلمون } و قد قيل إن معنى قوله تعالى: { و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } { لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان } سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين أي أن الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحدا يوم القيامة أن يقال ما كان دينك و ما كنت تصنع في الدنيا حتى يتبين لهم بإخباره عن نفسه أنه مان مؤمنا أو كان كافرا لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه منشرحي الصدور و يكون المشركون سود الوجوه زرقا مكروبين فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار و تميزهم في الموقف كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم و من قال هذا فيحتمل أن يقول إن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما هو كائن قبله على ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن و انصرف الناس عنه فيسألونه عن ربه و دينه و نبيه أي إذا كان يوم القيامة لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى تمييز فريق عن هذا لاستغنائهم بمناظرهم عما وراءها و من قاله يحتج بقوله تعالى: { فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } أخبر أنهم يسألهم عن أعمالهم وهذه الآية في الكافرين و من قال يسألهم عن أصل كفرهم ثم عن تجريدهم إياه كل وقت باستهزائهم بآيات الله تعالى و رسله فقد سألهم عما كانوا يعملون و ذلك هو المراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت