فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 295

باب ما جاء أن الميت يحضر الشيطان عند موته و جلساؤه في الدنيا و ما يخاف من سوء الخاتمة

[ روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان الواحد عن يمينه و الآخر عن شماله فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول له: يا بني إني كنت عليك شفيقا و لك محبا و لكن مت على دين النصارى فهو خير الأديان و الذي على شماله على صفة أمه تقول له: يا بني إنه كان بطني لك وعاء و ثديي لك سقاء و فخذي لك وطاء و لكن مت على دين اليهود و هو خير الأديان ] ذكره أبو الحسن القابسي في شرح رسالة ابن أبي زيد له و ذكر معناه أبو حامد في كتاب كشف علوم الآخرة و إن عند استقرار النفس في التراقي و الارتفاع تعرض عليه الفتن و ذلك أن إبليس قد أنفذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة و استعملهم عليه و وكلهم به فيأتون المرء و هو على تلك الحال فيتمثلون له في صورة من سلف من الأحباب الميتين الباغين له النصح في دار الدنيا كالأب و الأم و الأخ و الأخت و الصديق الحميم فيقولون له: أنت تموت يا فلان و نحن قد سبقناك في هذا الشأن فمت يهوديا فهو الدين المقبول عند الله تعالى فإن انصرم عنهم و أبي جاءه آخرون و قالوا له: مت نصرانيا فإنه دين المسيح و قد نسخ الله به دين موسى و يذكرون له عقائد كل ملة فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه و هو معنى قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة } أي لا تزغ قلوبنا عند الموت و قد هديتنا من قبل هذا زمانا فإذا أراد الله بعبده هداية و تثبيتا جاءته الرحمة و قيل: هو جبريل عليه السلام فيطرد عنه الشياطين و يمسح الشحوب عن وجهه فيبتسم الميت لا محالة و كثير من يرى متبسما في هذا المقام فرحا بالبشير الذي جاءه من الله تعالى فيقول: يا فلان أما تعرفني ؟ أنا جبريل و هؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية و الشريعة الجليلة فما شيء أحب إلى الإنسان و أفرح منه بذلك الملك و هو قوله تعالى: { و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } ثم يقبض عند الطعنة على ما يأتي

و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت وفاة أبي أحمد و بيدي الخرقة لأشد لحييه فكان يغرق ثم يفيق و يقول بيده: لا بعد لا بعد فعل هذا مرارا فقلت له: يا أبت أي شيء ما يبدو منك ؟ فقال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله يقول: يا أحمد فتني و أنا أقول لا بعد لا حتى أموت

قلت: و قد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول: حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد بن محمد القرطبي بقرطبة و قد احتضر فقيل له: قل: لا إله إلا الله فكان يقول: لا لا فلما أفاق ذكرنا له ذلك فقال: أتاني شيطانان عن يميني و عن شمالي يقول أحدهما: مت يهوديا فإنه خير الأديان و الآخر يقول: مت نصرانيا فإنه خير الأديان فكنت أقول لهما: لا لا إلي تقولان هذا ؟ و قد كتبت بيدي في كتاب الترمذي و النسائي عن النبي صلى الله عليه و سلم [ إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول: مت يهوديا مت نصرانيا ] فكان الجواب لهما لا لكما

قلت: و مثل هذا عن الصالحين كثير يكون الجواب للشيطان لا لمن يلقنه الشهادة و قد تصفحت كتاب الترمذي أبي عيسى و سمعت جميعه فلم أقف على هذا الحديث فيه فإن كان في بعض النسخ فالله أعلم

و أما كتاب النسائي فسمعت بعضه و كان عندي كثير منه فلم أقف عليه و هو نسخ فيحتمل أن يكون في بعضها و الله أعلم

و روى ابن المبارك و سفيان عن ليث عن مجاهد قال: ما من ميت إلا تعرض عليه أهل مجالسه الذين كان يجالس إن كان أهل لهو فأهل لهو و إن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر

و قال الربيع بن شبرة بن معبد الجهني و كان عابدا بالبصرة: أدركت الناس بالشام و قيل لرجل: يا فلان قل: لا إله إلا الله قال: اشرب و اسقني و قيل لرجل بالأهواز يا فلان قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: ده يازده دوازده تفسيره: عشرة أحد عشرة اثنا عشر كان هذا الرجل من أهل العمل و الديوان فغلب عليه الحساب و الميزان ذكر هذا التفسير أبو محمد عبد الحق قال الربيع: و قيل لرجل ها هنا بالبصرة يا فلان قل: لا إله إلا الله فجعل يقول:

( يا رب قائلة يوما و قد لغبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب )

قال الفقيه أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن النجاد: هذا رجل قد استدلته امرأة إلى الحمام فدلها إلى منزله فقاله عند الموت

و ذكر أبو محمد عبد الحق هذه الحكاية في كتاب العاقبة له فقال: و هذا الكلام له قصة و ذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره و كان بابه يشبه باب حمام فمرت به جارية لها منظر و هي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب ؟ فقال لها: هذا حمام منجاب و أشار إلى داره فدخلت الدار و دخل وراءها فلما رأت نفسه معه في دار و ليس بحمام علمت أنه خدعها أظهرت له البشر و الفرح باجتماعها معه على تلك الخلوة و في تلك الدار و قالت له: يصلح معنا ما نطيب به عيشنا و تقر به أعيننا فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين و بكل ما تشتهين فخرج و تركها في الدار و لم يقفلها و تركها محلولة على حالها و مضى فأخذ ما يصلح لهما و رجع و دخل الدار فوجدها قد خرجت و ذهبت و لم يجد لها أثرا فهام الرجل بها و أكثر الذكر لها و الجزع عليها و جعل يمشي في الطرق و الأزقة و هو يقول:

( يا رب قائلة يوما قد لغبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب )

و إذا بجارية تجاوبه من طاق و هي تقول:

( هلا جعلت لها لما ظفرت بها ... حرزا على الدار أو قفلا على الباب )

فزاد هيمانه و اشتد هيجانه و لم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر فنعوذ بالله من المحن و الفتن

قلت: و مثل هذا في الناس كثير ممن غلب عليه الاشتغال بالدنيا و الهم بها أو سبب من أسبابها حتى لقد حكي لنا أن بعض السماسرة جاء عنده الموت فقيل له: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: ثلاثة و نصف أربعة و نصف غلبت عليه السمسرة

و لقد رأيت بعض الحساب و هو في غاية المرض يعقد بأصابعه و يحسب و قيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا و الجنان الفلاني اعملوا فيها كذا و قيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: عقلك الحمارة و قيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: البقرة الصفراء غلب عليه حبها و الاشتغال بها نسأل الله السلامة و الممات على الشهادة بمنه و كرمه

و لقد حكى ابن ظفر في كتاب النصائح له قال: كان يونس بن عبيد [ رحمه الله تعالى ـ بزازا و كان لا يبيع في طرفي النهار و لا في يوم غيم فأخذ يوما ميزانه فرضه بين حجرين فقيل له: هلا أعطيته الصانع فأصلح فساده ؟ فقال: لو علمت فيه فسادا لما أبقيت من مالي قوت ليلة قيل له: فلم كسرته ؟ قال: حضرت الساعة رجلا احتضر فقلت له: قل: لا إله إلا الله فامتعض فألححت عليه فقال: ادع الله لي فقال: هذا لسان الميزان على لساني يمنعني من قولها قلت: أفما يمنعك إلا من قولها ؟ فقال: نعم قلت: و ما كان عملك به ؟ قال: ما أخذت و لا أعطيت به إلا حقا في علمي غير أني كنت أقيم المدة لا أفتقده و لا أحتبره فكان يونس بعد ذلك يشترط على من يبايعه أن يأتي بميزان و يزن بيده و إلا لم يبايعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت