فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 295

ابن المبارك قال: [ أخبرنا عبد الوهاب بن الورد قال: قال سعيد بن المسيب جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة قال: هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا قال يا رسول الله: أفهم أول الناس يدخلون الجنة ؟ قال: لا قال: فمن أول الناس يدخل الجنة ؟ قال: الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة فيخرج إليهم منها ملائكة فيقولون: ارجعوا إلى الحساب فيقولون على ما نحاسب و الله ما أفيض علينا من الأموال في الدنيا شيء فنقبض فيها و نبسط و ما كنا أمراء نعدل و نجوز و لكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين فيقال: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ]

و روي عن النبي أنه قال: [ اتقوا الله في الفقراء فإنه يقول يوم القيامة أين صفوتي من خلقي ؟ فتقول من هم يا ربنا ؟ فيقول: الفقراء الصابرون الراضون بقدري أدخلوهم الجنة قال فيدخلون الجنة يأكلون و يشربون و الأغنياء في الحساب يترددون ]

الترمذي [ عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ] من حديث الأعمش سليمان عن عطية العوفي عن أبي سعيد و قال فيه حديث حسن غريب من هذا الوجه

[ و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم ] هذا حديث حسن غريب حسن صحيح و في طريق أخرى: [ يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بنصف يوم و هو خمسمائة عام ] : قال: حديث حسن صحيح

و روي [ عن أبي الدرداء قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم قيل له: يا رسول الله و ما نصف يوم ؟ قال: خمسمائة سنة قيل له: فكم السنة من شهر ؟ قال خمسمائة شهر قيل له: فكم الشهر من يوم ؟ قال: خمسمائة يوم قيل له: فكم اليوم ؟ قال: خمسمائة مما تعدون ] ذكره العقبي في عيون الأخبار له

[ و عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: يدخل المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا ] قال: هذا حديث حسن صحيح و خرجه من حديث أنس أيضا و قال فيه حديث غريب

و في صحيح مسلم من حديث [ عبد الله بن عمرو قال: سمعت صلى الله عليه و سلم يقول: إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا ]

فصل: قال المؤلف رحمه الله: اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفوا الحال و كذلك الأغنياء و قد تقدم حديث أبي بكر بن أبي شيبة أول ثلاثة يدخلون الجنة: و لا تعارض و الحمد لله فإن الحديثين مختلفا المعاني و قد اختلف في أي فقراء هم السابقون و في مقدار المدة التي بها يسبقون و يرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيد روايته الأخرى و كذلك حديث جابر يرد أيضا إلى حديث عبد الله بن عمرو و يكون المعنى فقراء المسلمين المهاجرين إذ المدة فيها أربعين خريفا و يبقى حديث أبي سعيد الخدري في المدة بخمسمائة عام في فقراء المهاجرين و كذلك حديث أبي الدرداء في فقراء المسلمين بنصف يوم خمسمائة سنة

و وجه الجمع بينهما أن يقال إن سباق الفقراء من المهاجرين يسبقون سباق الأغنياء منهم بأربعين خريفا و غير سباق الأغنياء بخمسمائة عام و قد قيل: إن حديث أبي هريرة و أبي الدرداء و جابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة و أبي الدرداء و قيل: السباق بأربعين خريفا على ما تقدم من حديث جابر و الله أعلم

فصل: قلت: و قد احتج بأحاديث هذا الباب من فضل الفقراء على الغني و قد اختلف الناس في هذا المعنى و طال فيه الكلام بينهم حتى صنفوا فيه كتبا و أبوابا و احتج كل فريق لمذهبه في ذلك و الأمر قريب

و قد سئل أبو علي الدقاق: أي الوصفين أفضل: الغنى أو الفقر فقال: الغنى ؟ لأنه الحق و الفقر وصف الخلق و وصف الحق أفضل من وصف الخلق قال الله تعالى { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني الحميد } و بالجملة: فالفقير بالحقيقة العبد و إن كان له مال و إنما يكون غنيا إذا عول على مولاه و لم ينظر إلى أحد سواه فإن تعلق باله بشيء من الدنيا و رأى نفسه أنه فقير إليه فهو عبده قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ تعس عبد الدينار ] الحديث خرجه البخاري و غيره و قد كتبناه عليه و بيناه و الحمد لله و إنما شرف العبد افتقاره إلى مولاه و عزه و خضوعه له

و لقد أحسن من قال:

( إذا تذللت الرقاب تواضعا ... منا إليك فعزها في ذلها )

فالغني المعلق الباب بالمال الحريص عليه الراغب فيه هو الفقير حقيقة و خادمه الذي يقول ما أبالي به و لا لي رغبة فيه و إنما هي ضرورة العيش فإذا وجدتها فغيرها زيادة تشغل عن الإرادة فهو الغني حقيقة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ ليس ني عن كثرة العرض إنما الغني غنى النفس ] خرجه مسلم و أخذ عثمان بن سعدان الموصلي هذا المعنى فقال:

( تقنع بما يكفيك واستعمل الرضى ... فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي )

فليس الغنى عن كثرة المال إنما الغنى و الفقر من قبل النفس و قد أشبعنا القول في هذا في كتاب قمع الحرص و قد بقيت

قلت: هنا درجة ثالثة رفيعة و هي الكفاف التي سألها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال [ اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ] و في رواية [ كفافا ] خرجه مسلم و معلوم أنه عليه الصلاة و السلام لا يسأل إلا أفضل الأحوال و أسنى المقامات و الأعمال و قد اتفق الجميع على أن ما أحوج من الفقر مكروه و ما أبطر من الغنى مذموم

و في سنن ابن ماجه [ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما من غني و لا فقير إلا يود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا ] الكفاف: حالة متوسطة بين الغنى والفقر و قد قال عليه الصلاة و السلام: [ خير الأمور أوسطها ] فهي حالة سليمة من آفات الغنى المطغى و آيات الفقر المدقع الذي كان يتعوذ منهما النبي صلى الله عليه و سلم فكانت أفضل منهما ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير الذي لا يترفه في طيبات الدنيا و لا في زهرتها فكانت حاله إلى الفقير أقرب لقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر و كفى مرارته و آفاته وعلى هذا فأهل الكفاف هم إن شاء الله صدر كتيبه الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأنهم وسطهم و الوسط العدل كما قال الله تعالى { و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } أي عدولا خيارا و ليسوا من الأغنياء كما ذكرنا

باب منه

الترمذي عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: [ يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فينا فقال أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم بفشوا الكذب حتى يحلف الرجل و لا يستخلف و يشهد الشاهد و لا يتشهد و لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان ثالثهما الشيطان عليكم بالجماعة و إياكم و الفرقة فإن الشيطان مع الواحد و هو من الإثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة و من سرته حسنته و ساءته سيئته فذلكم المؤمن ]

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب

باب منه

ما جاء في صفة أهل الجنة و مراتبهم و سنهم و طولهم و شبابهم و عرقهم و ثيابهم و أمشاطهم و مجاهرهم و أزواجهم و في لسانهم و ليس في الجنة عزب

مسلم [ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أول زمرة يدخلون الجنة و في رواية: من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء أضاء و في رواية: ثم هم بعد ذلك منازل لا يبولون و لا يتغوطون و لا يتفلون و لا يتمخطون أمشاطهم الذهب و في رواية: الفضة و رشحهم المسك و مجاهرهم و أزواجهم الحور العين و في رواية: لكل و احد منهم زوجتان يرى مخ ساقيها من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم و لا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبحون بكرة و عشيا ]

قال أبو علي: الألوة: هو العود و في رواية: أخلاقهم على خلق رجل واحد عل طول أبيهم و في رواية: على صورة أبيهم ستون ذراعا في السماء

و قال أبو كريب: على خلق رجل واحد و قال أبي هريرة حين تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء ؟ فقال لكل رجل منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقيها من وراء اللحم و ما في الجنة عزب

الترمذي [ عن الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إن المرأة من اهل الجنة ليرى ساقيها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها و ذلك بأن الله سبحانه و تعالى يقول: { كأنهن الياقوت و المرجان } فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته ]

و روى موقوفا عن البخاري [ عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما و لملأته ريحا و لنصيغها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها ]

الترمذي [ عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم و لا تبلى ثيابهم ] قال: حديث غريب

و خرج عنه أيضا [ عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: يدخل أهل الجنة الجنة جرداء مرداء مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث و ثلاثين سنة ] قال: حديث غريب و روى عن قتادة مرسلا

و ذكر الميانش [ من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: أهل الجنة مرد إلا موسى بن عمران فإن لحية إلى سرته ]

الترمذي [ عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: لو أن ما يقله ظفر مما في الجنة بدا إلى الدنيا لتزخر له ما بين خوافق السموات و الأرض و لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدت أساور لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم ] قال: حديث حسن غريب

[ و عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من مات من أهل الجنة من صغير و كبير يرون بني ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها و لا ينقصون و كذلك أهل النار ] قال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين

فصل: في حديث أبي هريرة لكل واحد منهم زوجتان و قد تقدم من حديث عمران بن حصين: [ أن أقل ساكني الجنة النساء ]

قال علماؤنا: لم يختلفوا في جنس النساء و إنما اختلفوا في نوع من الجنس و هو نساء الدنيا و رجالها أيهما أكثر في الجنة فإن كانوا اختلفوا في المعنى الأول و هو جنس النساء مطلقا فحديث أبي هريرة حجة و إن كانوا اختلفوا في نوع من الجنس و هم أهل الدنيا فالنساء في الجنة أقل

قلت: يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار و أما بعد خروجهن في الشفاعة و رحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا الله فالنساء في الجنة أكثر و حينئذ يكون لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا و أما الحور العين فقد تكون لكل واحد منهم الكثير منهن

[ و في حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم و اثنتان و سبعون زوجة ] ذكره الترمذي و قال فيه: حديث غريب

و مثله حديث أبي أمامة خرجه أبو محمد الدارمي و سيأتي و الأخبار دالة على هذا

و قوله و أمشاطهم الذهب و الفضة و مجامرهم الألوة و قد يقال هنا أي حاجة في الجنة للامتشاط و لا تتلبد شعورهم و لا تتسخ و أي حاجة للبخور و ريحهم أطيب من المسك و يجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة و كسوتهم ليس عن رفع ألم أعتراهم فليس أكلهم عن جوع و لا شربهم عن ظمأ و لا تعليهم عن نتن و إنما هي لذات متوالية و نعم متتابعة ألا ترى قوله تعالى لآدم { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } و حكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا و زادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز و جل

قلت: و قد جاء مثل هذا في أهل الدنيا حيث قال: { إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون } و قال { إن لدينا أنكالا و جحيما } فعذبهم في النار بنوع ما كانوا يعذبون به في الدنيا قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في الرجل خشية أن يهربوا لا و الله و لكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استثقلت بهم

ابن المبارك قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: لسان أهل الجنة عربي و إذا خرجوا من قبورهم سرياني و قد تقدم و قال سفيان: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت