فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 295

البخاري و مسلم [ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يقبض الله الأرض يوم القيامة و يطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض ] ؟ و [ عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يطوي الله السماء يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ] انفرد به مسلم

و [ عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال: يأخذ الله سماواته و أرضيه بيده فيقول: أنا الله و يقبض أصابعه و يبسطها فيقول: أنا الملك ] حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه و سلم

فصل: هذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه يفني جميع خلقه أجمع كما تقدم ثم يقول الله عز و جل: { لمن الملك اليوم } فيجيب نفسه المقدسة بقوله: { لله الواحد القهار }

و قيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عليها على ما يأتي { لمن الملك اليوم } فيجيبه العباد { لله الواحد القهار } رواه أبو وائل عن ابن مسعود و اختاره أبو جعفر النحاس قال: و القول صحيح عن ابن مسعود و ليس هو مما يؤخذ بالقياس و لا بالتأويل

قال المؤلف رضي الله عنه: و القول الأول أظهر لأن المقصود إظهاره انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين و انتساب المنتسبين إذ قد ذهب كل ملك و ملكه و كل جبار و متكبر و ملكه و انقطعت نسبتهم و دعاويهم و هذا أظهر و هو قول الحسن و محمد بن كعب و هو مقتضى قوله الحق: [ أنا المالك أين ملوك الأرض ] ؟

و في حديث أبي هريرة [ ثم يأمر الله عز و جل إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق من في السموات و من في الأرض إلا ما شاء الله فإذا اجتمعوا أمواتا جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات أهل السماء و الأرض إلا ما شئت فيقول الله سبحانه ـ و هو أعلم ـ من بقي ؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت و بقي حملة العرش و بقي جبريل و ميكائيل و إسرافيل و بقيت أنا فيقول الله عز و جل: ليمت جبريل و ميكائيل فينطق الله عز و جل العرش فيقول أي رب يموت جبريل و ميكائيل ؟ فيقول: اسكت إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي فيموتان قال: ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار جل جلاله فيقول يا رب قد مات جبريل و ميكائيل قيول الله سبحانه ـ و هو أعلم ـ من بقي ؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت و بقي حملة عرشك و بقيت أنا فيقول: ليمت حملة العرش فيموتون فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يقول: ليمت إسرافيل فيموت ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك فيقول ـ و هو أعلم ـ من بقي ؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا تموت و بقيت أنا فيقول الله: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة و لا ولدا { لم يلد و لم يولد * و لم يكن له كفوا أحد } فكان كما كان أولا طوى السماء كطي السجل للكتاب ثم قال: أنا الجبار { لمن الملك اليوم } فلم يجبه أحد فيقول جل ثناؤه و تقدست أسماؤه { لله الواحد القهار } ]

قلت: حديث أبي هريرة هذا فيه طول و هذا وسطه و يأتي آخره في الباب بعد هذا و يأتي أوله بعد ذلك إن شاء الله تعالى فيتصل جميعه إن شاء الله تعالى ذكره الطبري و علي بن معبد و الثعلبي و غيرهم

و في حديث لقيط بن عامر عن النبي صلى الله عليه و سلم: [ ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصيحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات و الملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك يطوف في البلاد و قد خلت عليه البلاد ] و ذكر الحديث و هو حديث فيه طول خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده و غيره الأوزاعي

قال علماؤنا: قوله: [ فأصبح ربك يطوف بالبلاد و قد خلت عليه البلاد ] إنما هو تفهم و تقريب إلى أن جميع من في الأرض يموت و أن الأرض تبقى خالية و ليس يبقى إلا الله كما قال: { كل من عليها فان * و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام } و عند قوله سبحانه { لمن الملك اليوم } هو انقطاع زمن الدنيا و بعده يكون البعث و النشر و الحشر على ما يأتي و في فناء الجنة و النار عند فناء جميع الخلق قولان:

أحدهما: يفنيهما و لا يبقى شيء سواه و هو معنى قوله الحق: { هو الأول و الآخر } و قيل: إنه مما لا يجوز عليهما الفناء و إنهما باقيان بإبقاء الله سبحانه و الله أعلم و قد تقدم في الباب قبل هذا الإشارة إلى ذلك و قد قيل: إنه ينادي مناد فيقول: { لمن الملك اليوم } ؟ فيجيبه أهل الجنة: { لله الواحد القهار }

فصل: في بيان ما أشكل من الحديث من ذكر اليد و الأصابع

إن من قائل: ما تأويل اليد عندكم و اليد حقيقتها في الجارحة المعلومة عندنا و تلك التي يكون القبض و الطي بها ؟ قلنا: لفظ الشمال أشد في الإشكال

و ذلك في الإطلاق على الله محال

و الجواب: أن اليد في كلام العرب لها خمسة معان: تكون بمعنى القوة و منه قوله تعالى: { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } و تكون بمعنى الملك و القوة و منه قوله تعالى: { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } و تكون بمعنى النعمة تقول العرب: كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة أسديتها إليه و تكون بمعنى الصلة و منه قوله تعالى { مما عملت أيدينا أنعاما } أي مما عملنا نحن و قال تعالى: { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } أي الذي له النكاح و تكون بمعنى الجارحة

ومنه قوله تعالى: { و خذ بيدك ضغثا فاضرب به و لا تحنث } و قو له في الحديث [ بيده ] عبارة عن قدرته و إحاطته بجميع مخلوقاته يقال: ما فلان إلا في قبضتي بمعنى: ما فلان إلا في قدرتي و الناس يقولون: الأشياء في قبضة الله يريدون في ملكه و قدرته و قد يكون معنى القبض و الطي: إفناء الشيء و إذهابه فقوله عز و جل: { و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة } يحتمل أن يكون المراد به الأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة و قوله: { و السماوات مطويات بيمينه } ليس يريد به طيا بعلاج و انتصاب و إنما المراد بذلك الفناء و الذهاب يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه و جاءنا غيره و انطوى عنا دهر بمعنى المضي و الذهاب

فإن قيل: فقد قال في الحديث: [ و يقبض أصابعه و يبسطها ] و هذه حقيقة الجارحة ؟ قلنا: هذا مذهب المجسمة من اليهود و الحشوية و الله تعالى متعال عن ذلك و إنما المعنى حكاية الصاحب عن النبي صلى الله عليه و سلم: يقبض أصابعه و يبسطها و ليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع فدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي كان يقبض أصابعه و يبسطها قال الخطابي و ذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب و السنة المقطوع بصحتهما

فإن قيل: فقد ورد ذكر الأصابع في غير ما حديث فما جوابكم عنه ؟ فقد روى البخاري و مسلم قال: أتى النبي صلى الله عليه و سلم رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل السموات على أصبع و الأرضين على أصبع و الشجر على أصبع و الثرى على أصبع و الخلائق على أصبع ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بدت نواجذه فأنزل الله عز و جل { و ما قدروا الله حق قدره و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السماوات مطويات بيمينه } و روى [ عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ] و مثله كثير قيل له: اعلم أن الأصابع قد يكون بمعنى الجارحة و الله تعالى يتقدس عن ذلك و يكون بمعنى القدرة على الشيء و يسارة تقليبه كما تقول من استسهل شيئا و استخفه مخاطبا لمن استثقله: أنا أحمله على أصبعي و ارفعه علي بأصبعي و أمسكه بخنصري و كما يقال من أطاع بحمل شيء: أنا أحمله على عيني و أفعله على رأسي يعني به الطواعية و ما أشبه ذلك قد قال في معناه و هو كثير و مما قال عنترة و قيل ابن زيادة التيمي:

( الرمح لا أملأ كفي به ... و اللبد لا أتبع تزواله )

يريد أنه لا يتكلف أن يجمع كفه فيشتمل على الرمح لكن يطعن به خلسا بأصابعه لخفة ذلك عليه و قوله: لا أتبع تزواله: أي إذا مال لم أمل معه

يقول: أنا ثابت على ظهر الخيل لا يضرني فقد بعض الآلة و لا تغير السرج عما يريده الراكب يصف نفسه بالفروسية في الركوب و الطعن فلما كانت السموات و الأرض أعظم الموجودات قدرا و أكبرها خلقا كان إمساكها بالنسبة إلى الله تعالى كالشيء الحقير الذي نجعله نحن بين أصابعنا و نهزه بأيدينا و نتصرف فيه كيف شئنا فتكون الإشارة بقوله: [ ثم يقبض أصابعه و يبسطها ] و بقوله: [ ثم يهزهن ] كما جاء في بعض طرق مسلم و غيره أي هي في قدرته كالحبة مثلا في كف أحدنا التي لا نبالي بإمساكها و لا بهزها و لا تحريكها و لا القبض و البسط عليها و لا نجد في ذلك صعوبة و لا مشقة و قد يكون الأصبع أيضا في كلام العرب بمعنى النعمة و هو المراد بقوله عليه السلام: [ إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ] أي بين نعمتين من نعم الرحمن يقال: لفلان علي أصبع أي أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة و للراعي على ماشيته أصبع أي أثر حسن و أنشد الأصمعي للراعي:

( ضعيف العصي بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس أصبعا )

و قال آخر:

( صلاة و تسبيح و إعطاء سائل ... و ذي رحم تبل منك أصبع )

أي أثر حسن و قال آخر:

( من يجعل الله عليه أصبعا ... في الخير و الشر يلقاه معا )

فإن قيل: كيف جاز إطلاق الشمال على الله تعالى و ذلك يقتضي النقص ؟ قيل: هو مما انفرد به عمر بن حمزة عن سالم و قد روى هذا الحديث نافع و عبد الله بن مقسم عن ابن عمر لم يذكرا فيه الشمال و رواه أبو هريرة و غيره عن النبي صلى الله عليه و سلم و لم يذكر فيه واحد منهم الشمال

و قال البيهقي و روى ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعبف بمرة و كيف يصح ذلك و صحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سمى كلتا يديه يمينا ؟ و كان من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له أو على عادة العرب في ذكر الشمال في مقابلة اليمين

قال الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله عز و جل من صفة اليد شمال لأن الشمال محل النقص و الضعف و قد روى [ كلتا يديه يمين ] و ليس معنى اليد عندنا الجارحة و إنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت و لا نكفيها

و ننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب و السنة المأثورة الصحيحة و هو مذهب أهل السنة و الجماعة و قد يكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة و الملك و منه قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانكم } يريد بها الملك و قال { لأخذنا منه باليمين } أي بالقوة و القدرة أي أخذنا قدرته و قوته قال الفراء: اليمين القوة و القدرة و أنشد:

( إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين )

و قال آخر:

( و لما رأيت الشمس أشرق نورها ... تناولت منها حاجتي بيميني )

( فقلت: شنيفا ثم فاران بعده ... و كان على الآيات غير أمين )

قلت: و على هذا التأويل تخرج الآية و الحديث و الله أعلم و قد تكون اليمين في كلام مالك العرب بمعنى: التبجيل و التعظيم يقال عندنا باليمين أي بالمحل الجليل و منه قول الشاعر:

( أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت عندي باليمين )

أي بالمحل الرفيع و أما قوله: كلتا يديه يمين فإنه فإنه أراد بذلك التمام و الكمال و كانت العرب تحب التيامن و تكره التياسر لما في التياسر من النقصان و في التيامن من التمام فإن قيل: فأين يكون الناس عند طي الأرض و السماء ؟ قلنا: يكونون على الصراط على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت