فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 295

مسلم [ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا ] قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب الرواية بالياء بلا خلاف و تحكم أبو اليد الكتاني فرواه بالثناء المثلثة و هي المنتصبة و هذا خطأ منه و تصحيف و خرجه مسلم أيضا [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ]

فصل: للعلماء في تأويل هذا الحديث و جهان:

أحدهما: أنها مثلها في الخوف و الهيبة و الطير أكثر الحيوانات خوفا حتى قالوا أحذرمن غراب و قد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا

الثاني: أنه مثلها في الضعف و الرقة كما جاء في الحديث الآخر في أهل اليمن هم أرق قلوبا و أضعف أفئدة

قلت: و يحتمل وجها ثالثا أنها مثلها خالية من كل ذنب سليمة من كل عيب لا خبرة لهم بأمور الدنيا كما روي [ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر أهل الجنة البله ] و هو حديث صحيح أي البله عن معاصي الله و الله أعلم

قال الأزهري: الأبله في كلامهم على وجوه: يقولون عيش أبله إذا كان ناعما و منه أخذ بلهنية العيش قال بعضهم: و طالما عشت في بلهنية

و الأبله الذي لا عقل له و الأبله الذي طبع على الخير و هو غافل عن الشر لا يعرفه و قال هذا هو المراد بالحديث

و قال العتبي: البله هم الذين غلب عليهم سلامة الصدور و حسن الظن بالناس و أنشد:

( و لقد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها )

يعني أنها أغراء لا دهاء فيها:

قلت: و نظير ما ذكرناه و ما قاله هؤلاء من الكتاب قوله تعالى { إلا من أتى الله بقلب سليم } و قوله عليه السلام و قد سئل أي الناس أفضل ؟ قال: [ الصادق اللسان المخموم القلب قالوا: أما الصادق اللسان فقد عرفناه أنه ذلك فما المخموم القلب ؟ قال: النقي الذي لا غل فيه و لا حسد ] ذكره أبو عبيده و العرب تقول خممت البيت أي كنسته و منه سميت الخمامة و هي مثل القمامة و الكناسة

و قال بعض العلماء في البله وجها آخر لطيفا و هو: أنهم سموا بذلك لقصورهم عن كمال المعرفة بحق الله تعالى و رؤية استحقاقه العبادة و إيثار طلبه و الشغف بحبه و خدمته و طلب رضاه الذي هو جنة الخلد إذا وقفوا بخواطرهم على الجنة و نعيمها و عبدوه و أطاعوا في نيل درجاتها و لذاتها غافلين عن مراقبة جلاله و ملاحظة كماله بعكوف همهم على نيل نعمه و أفضاله فهم بله أيضا بالإضافة إلى العقلاء عن الله عز و جل ذوي الألباب المقبلة على مشاهدة عظمة الله تعالى المتوجهين بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم في سياق قوله: [ أكثر أهل الجنة البله و عليون لأولي الألباب ] و في الخبر: أن طائفة من العقلاء بالله عز و جل تزفهم الملائكة إلى الجنة و الناس في الحساب فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا ؟ فيقولون: إلى الجنة فيقولون: إنكم لتحمولوننا إلى غير بغيتنا فتقول لهم الملائكة: و ما بغيتكم ؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر: { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } و لعل من هذا القبيل من يسأل الله الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها بل موافقة لمولاه لما علم أنه يحب أن يسأل من ثوابه و يستعاذ من عذابه فوافق مولاه

في إيثاره لا لحظ نفسه كما قال عليه السلام لأحد أصحابه الذي قال [ أما أنا فأقول في دعائي اللهم أدخلني الجنة و عافني من النار و لا أدري ما دندنتك و لا دندنه معاذ فقال له النبي صلى الله عليه و سلم حولها ندندن ]

قلت: خرجه أبو داود في سننه و ابن ماجه أيضا

فصل: قال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب: قوله صنفان من أهل النار لم أرهما الصنف فيما ذكر عن الخليل الطائفة من كل شيء و السوط في اللغة اسم العذاب و إن لم يكن له ثم ضرب قال الفراء

و قال ابن فارس في المجمل السوط من العذاب النصيب و السوط خلط الشيء بعضه ببعض و إنما سمي سوطا لمخالطته و إنما أراد النبي صلى الله عليه و سلم عظم السياط و خروجها عن حد ما يجوز به الضرب في التأديب و هذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن و غيره

و قوله نساء كاسيات عاريات يعني أنهن كاسيات من الثياب عاريات من الذين لانكشافهن و إبدائهن بعض محاسنهن

و قيل: كاسيات ثيابا رقاقا يظهر ما خلفها و ما تحتها فهن كاسيات في الظاهر عاريات و في الحقيقة

و قيل: كاسيات في الدنيا بأنواع الزنية من الحرام و ما لا يجوز لبسه عاريات يوم القيامة ثم قال عليه السلام [ مائلات مميلات ] قيل: معناه زائغات عن طاعة الله تعالى و طاعة الأزواج و ما يلزمهن من صيانة الفروج و التستر عن الأجانب و مميلات يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن

و قيل: مائلات متبخترات في مشهين مميلات يملن رؤوسهن و أعطافهن من الخيلاء و التبختر و مميلات لقلوب الرجال إليهن لما يبدين من زينتهن و طيب رائحتهن

و قيل: يتمشطن الميلاء و هي مشطة البغايا و المميلات: اللواتي يمشطن غيرهن المشة الميلاء قال صلى الله عليه و سلم [ رؤوسهن كأسنمة اليخت ] معناه يعظمن رؤوسهن بالخمر و المقانع و يجعلن على رؤوسهن شيئا يمسي عندهم التازة لا عقص الشعر و الذاوئب المباح للنساء حسب ما ثبت في الصحيح عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي الحديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت