فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 295

باب منه: و في بيان قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة و في ساحل جهنم و وعيد من يؤذي المؤمنين

ابن المبارك قال: أخبرنا رجل عن منصور عن مجاهد عن يزيد بن شجرة قال: و كان معاوية بعثه على الجيوش فلقي عدوا فرأى أصحابه فشلا فجمعهم فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد اذكروا نعمة الله عليكم و ذكر الحديث و فيه: [ فإنكم ككتوبون عند الله بأسمائكم و سماتكم فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ها نورك يا فلان لا نور لك إن لجهنم ساحلا كساحل البحر فيه هوام و حيات كالبخت و عقارب كا لبغال الدهم فإذا استغاث أهل النار قالوا: الساحل ! فإذا ألقوا فيه سلطت عليهم تلك الهوام فتأخذ شفار أعينهم و شفاههم و ما شاء الله منهم تكشطها كشطا فيقولون: النار النار ! فإذا ألقوا فيها سلط الله عليهم الجرب فيحك أحدهم جسده حتى يبدو عظمه و إن جلد أحدهم لأربعون ذراعا قال: يقال: يا فلان هل تجد هذا يؤذيك ؟ فيقول: و أي شيء أشد من هذا ؟ فيقال: هذا بما كنت تؤذي المؤمنين ]

قال ابن المبارك: و أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمار الدهمني أنه حدثه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: إن صعودا صخرة في جهنم إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت فإذا رفعوها عادت اقتحامها { فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة }

و قال ابن عمرو ابن عباس هذه العقبة جبل في جهنم

و قال محمد بن كعب و كعب الأحبار هي سبعون درجة في جهنم و قال الحسن و قتادة: هي عقبة شديدة صعبة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله عز و جل

و قال مجاهد و الضحاك و الكلبي: هي الصراط و قيل: النار نفسها

و قال الكلبي أيضا: هي جبل بين الجنة و النار يقول: فلأجاور هذه العقبة بعمل صالح ثم بين اقتحامها بما يكون فقال { فك رقبة } الآية

و قال ابن زيد و جماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام تقديره: أفلا اقتحم العقبة يقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب و إطعام السغبان ليجاوز به العقبة فيكون خيرا له من إنفاقه في المعاصي ؟

و قيل: معنى الكلام التمثيل و التشبيه فشبه عظم الذنوب و ثقلها بعقبة فإذا أعتق رقبة و عمل صالحا كان مثله كمثل من اقتحم العقبة و هي الذنوب التي تضره و تؤذيه و تثقله فإذا أزالها بالأعمال الصالحة و التوبة الخالصة كان كمن اقتحم عقبة يستوي عليها و يجوزها

قلت: هذا حديث حسن قال الحسن: هي و الله عقبة شديدة مجاهدة الإنسان نفسه و هواء وعدوه الشيطان و أنشد بعضهم:

( إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل قد نصبوا علي شراكا )

( إبليس و الدنيا و نفسي و الهوى ... من أين أرجو بينهن فكاكا )

( يا رب ساعدني بعفو إنني ... أصبحت لا أرجو لهن سواكا )

و أنشد غيره أيضا في معنى ذلك:

( إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل عن قوس لها توتير )

( إبليس و الدنيا و نفسي و الهوى ... يا رب أنت على الخلاص قدير )

و قال آخر:

( إني بليت بأربع ما سلطوا ... إلا لعظم بليتي و شقائي )

( إبليس و الدنيا ونفسي و الهوى ... كيف الخلاص و كلهم أعدائي )

قلت: قال: فمن أطاع مولاه و جاهد نفسه و هواه و خالف شيطانه و دنياه كانت الجنة نزله و مأواه و ممن تمادى في غيه و طغيانه و أرخى في الدنيا زمام عصيانه و وافق نفسه و هواه في مناه و لذاته و أطاع شيطانه في جمع شهواته كانت النار أولى به قال الله تعالى: { فأما من طغى * و آثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى }

و معنى فلا اقتحم العقبة: أي لم يقتحم العقبة و هذا خبر أي أنه لم يفعل و العرب تقول: لا فعل بمعنى لم يفعل قال زهير

( و كان طوى كشحا على سكينة ... فلا هوى أبداها و لم يتقدم )

أي فلم يبدها

ثم قال: { و ما أدراك ما العقبة * فك رقبة } يقول للنبي صلى الله عليه و سلم: أي لم تكن تدريها حتى أعلمتك ما العقبة: فك رقبة: أي عتق رقبة من الرق أو إطعام في يوم ذي مسغبة مجاعة يتيما ذا مقربة: أي قرابة أو مسكينا ذا متربة: يعني به اللاصق بالتراب من الحاجة في تفسير الحسن

و قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه و ما أدراك فإنه أخبره به و كل شيء قال فيه و ما يدريك فإنه لم يخبره به

و خرج الطبراني أبو القاسم سلمان بن أحمد في كتاب مكارم الأخلاق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لأن أجمع أناسا من أصحابي على صاع من طعام أحب إلي أن أخرج إلى السوق فأشترى نسمة فأعتقها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت