فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 295

باب متى تنقطع معرفة العبد من الناس و في التوبة و بيانها و في التائب من هو ؟

ابن ماجه [ عن أبي موسى الأشعري: سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم متى تنقطع معرفة العبد من الناس ؟ قال: إذا عاين ]

فصل: قوله: إذا عاين يريد إذا عاين ملك الموت أو الملائكة و الله أعلم و هو معنى قوله عليه السلام في الحديث الآخر: [ إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ] خرجه الترمذي أي عند الغرغرة و بلوغ الروح الحلقوم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان و لا تنفع حينئذ توبة و لا إيمان كما قال تعالى في محكم البيان { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } و قال تعالى { و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح و ذلك عند غرغرته بالروح و إنما يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر إلى الحلقوم فعندها المعاينة و عندها حضور الموت فاعلم ذلك فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة و الغرغرة و هو معنى قوله تعالى: { ثم يتوبون من قريب }

و قال ابن عباس و السدي: من قريب: قبل المرض و الموت

و قال أبو مجلز و الضحاك و عكرمة و ابن زيد و غيرهم: قبل المعاينة للملائكة و السوق و أن يغلب المرء على نفسه و لقد أحسن محمود الوراق حيث قال: ( قدم لنفسك توبة مرجوة ... قبل الممات و قبل حبس الألسن )

( بادر به غلق النفوس فإنها ... ذخر و غنم للمنيب المحسن )

قال علماؤنا ـ رحمهم الله ـ و إنما صحت منه التوبة في هذا الوقت لأن الرجاء باق و يصح الندم و العزم على ترك الفعل و قيل: المعنى: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار و المبادرة في الصحة أفضل و ألحق لأمله من العمل الصالح و البعد كل البعد الموت و أما ما كان قبل الموت فهو قريب عن الضحاك أيضا

و عن الحسن: لما هبط إبليس قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده قال الله تعالى [ و عزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه ]

و التوبة فرض على المؤمنين باتفاق المسلمين لقوله تعالى: { و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } و قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا }

و لها شروط أربعة: الندم بالقلب و ترك المعصية في الحال و العزم على أن لا يعود إلى مثلها و أن يكون ذلك حياء من الله تعالى و خوفا منه لا من غيره فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة و قد قيل: من شروطها: الاعتراف بالذنب و كثرة الإستغفار الذي يحل عقد الإصرار و يثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان فأما من قال بلسانه: أستغفر الله و قلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار و صغيرته لا حقة بالكبائر

و روي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار

قال الشيخ المؤلف رحمه الله: هذا مقوله في زمانه فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع و البحة في يده زاعما أنه يستغفر من ذنبه و ذلك استهزاء منه و استخفاف و هو ممن اتخذ آيات الله هزؤا و في التنزيل { و لا تتخذوا آيات الله هزوا }

و روي عن علي رضي الله عنه أنه رأى رجلا قد فرغ من صلاته و قال: اللهم إني أستغفرك و أتوب إليك سريعا فقال له: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين و توبتك تحتاج إلى توبة قال يا أمير المؤمنين: و ما التوبة ؟ قال: إسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة و لتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم إلى أهلها و إئاب النفس في الطاعة كما أذابتها في المعصية و إذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية و أن تزين نفسك في طاعة الله كما زينتها في معصية الله و البكاء بدل كل ضحك ضحكته

و قال أبو بكر الوراق: التوبة أن تكون نصوحا و هو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت و تضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلفوا

و قيل: التوبة النصوح هي رد المظالم و استحلال الخصوم و إدمان الطاعات

و قيل: غير هذا و بالجملة فالذنوب التي يثاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على سالف كفره و ليس مجرد الإيمان نفس التوبة و غير الكفر: إما حق الله و إما حق لغيره فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة و الصوم و منها ما أضاف إليه كفارة كالحنث في الإيمان و غير ذلك و أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها فإن لم يوجدوا تصدق عنهم و من لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعساره فعفو الله مأمول و فضله مبذول فكم ضمن من التبعات و بدل من السيئات بالحسنات و عليه أن يكثر من الأعمال الصالحات و يستغفر لمن ظلمه من المؤمنين و المؤمنات فهذا الكلام في حقيقة التوبة

و قد روي مرفوعا في صفة التائب من [ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم قال و هو في جماعة من أصحابه أتدرون من التائب ؟ قالوا: اللهم لا قال: إذا تاب العبد و لم يرض خصماؤه فليس بتائب و من تاب و لم يغير لباسه فليس بتائب و من تاب و لم يغير مجلسه فليس بتائب و من تاب و لم يغير نفقته و زينته فليس بتائب و من تاب و لم يغير فراشه و وساده فليس بتائب ومن تاب و لم يوسع خلقه فليس بتائب و من تاب و لم يوسع قلبه و كفه فليس بتائب ] ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ فإذا تاب عن هذه الخصال فذلك تائب حقا ]

قال العلماء: إرضاء الخصوم يكون بأن يرد عليهم ما غصبهم من مال أو خانهم أو غلهم أو اغتابهم أو خرق أعراضهم أو شتمهم أو سبهم فيرضيهم بما استطاع و يتحللهم من ذلك فإن انقرضوا فإن كان لهم قبله مال رده إلى الورثة و إن لم يعرف الورثة تصدق به عنهم و يستغفر لهم بعد الموت و يدعو: اللهم عوض الذم و الغيبة لا خلاف في هذا و أما تغيير اللباس فهو أن يستبدل ما عليه من الحرام بالحلال و إن كانت ثياب كبر و خيلاء استبدلها بأطمار متوسطة و تغيير المجلس: هو بأن يترك مجالس اللهو و اللعب و الجهال و الأحداث و يجالس العلماء و مجالس الذكر و الفقراء و الصالحين و يتقرب إلى قلوبهم بالخدمة و بما يستطيع و يصافحهم و تغيير الطعام بأن يأكل الحلال و بجانب ما كان من شبهة أو شهوة و يغير أوقات أكله و لا يقصد اللذيذ من الأطعمة و تغيير النفقة هو بترك الحرام و كسب الحلال و تغيير الزينة بترك التزين في الأثاث و البناء و اللباس و الطعام و الشراب و تغيير الفراش بالقيام بالليل عوض ما كان يشغله بالبطالة و الغفلة و المعصية كما قال الله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } و تغيير الخلق هو بأن ينقلب خلقه من الشدة إلى اللين و من الضيق إلى السعة و من الشكاسة إلى السماحة و توسيع القلب يكون بالإنفاق ثقة بالقيام على كل حال و توسيع الكف بالسخاء و الإيثار بالعطاء هكذا يبدل كل ما كان فيه كشرب الخمر بكسره و سقي اللبن و العسل و الزنا بكفالة الأرملة و اليتيمة و تجهيزهما و يكون مع ذلك نادما على ما سلف منه و متحسرا على ما ضيع من عمره فإذا كملت التوبة به على هذه الخصال التي ذكرنا و الشروط التي بينا تقبلها الله بكرمه و أنسى حافظيه و بقاع الأرض خطاياه و ذنوبه قال الله تعالى: { و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى }

و الأصل في هذه الجملة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي قتل مائة نفس ثم سأل: هل له من توبة ؟ فقال له العالم: و من يحول بينك و بينها انطلق إلى أرض بني فلان فإن بها ناسا صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم و لا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء

الحديث أخرجه مسلم في الصحيح و في مسند أبي داود الطيالسي: [ حدثنا زهير بن معاوية عن عبد الكريم الجزري عن زياد و ليس بابن أبي مريم عن عبد الله بن مغفل قال: كنت مع أبي و أنا إلى جنبه عند عبد الله بن مسعود فقال له أبي: أسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: أن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله عز و جل تاب الله عليه ؟ فقال: نعم سمعته يقول: الندم توبة ]

و في صحيح مسلم و البخاري [ عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه ]

و روى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له [ عن أبي هريرة رضي الله عنه و أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جلس على المنبر ثم قال: و الذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال: ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس و يصوم رمضان و يجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى أنها لتصفق ثم تلا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ]

قال الشيخ المؤلف رحمه الله: فدل القرآن على أن في الذنوب كبائر و صغائر خلافا لمن قال: كلها كبائر حسب ما بيناه في سورة النساء و أن الصغائر كاللمسة و النظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق و قوله الحق لا أنه يجب عليه ذلك لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب و هي إقامة الفرائض كما نص عليه الحديث و مثله: ما رواه مسلم [ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الصلوات الخمس و الجمعة إلى الجمعة و رمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ] على هذا جماعة أهل التأويل و جماعة الفقهاء و هو الصحيح في الباب و أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة منها و الإقلاع عنها كما بينا و قد اختلف في تعيينها ليس هذا موضع ذكرها و سيأتي في القصاص و في أبواب النار جملة منها إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت