فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 295

باب ما جاء في قوله تعالى و إذا البحار سجرت و ما جاء أن الشمس و القمر يقذفان في النار

قال ابن عباس في قوله تعالى: { و إذا البحار سجرت } قال: أوقدت فصارت نارا و ذكر ابن وهب عن عطاء بن يسار أنه تلا هذه الآية { و جمع الشمس و القمر } قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار فتكون نار الله الكبرى

و خرج أبو داود الطيالسي في مسنده [ عن يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم إن الشمس و القمر ثوران عقيران في النار ]

و روي عن كعب الأحبار أنه قال: يجاء بالشمس و القمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار

فصل: قلت: كذا الرواية ثوران بالثاء المثلثة و إنما يجمعان في جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله و لا تكون النار عذبا لهما لأنهما جماد و إنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين و حسرتهم هكذا قال بعض أهل العلم

و قال ابن قسي صاحب خلع النعلين: اعلم أن الشمس و القمر ثوران مكوران في نار جهنم على شبه هذا التكوير فنهار سعير و ليل زمهرير و الدار دار قائمة لا فرق بينها و بين هذين في حركة التسيار و التدوار و مدار فلكي الليل و النهار إلى أن تلك خالية من رحمة الله و مع هذه رحمة واحدة من رحمة الله و عن الشمس و القمر يكون سواد الدار و لهيب ظاهر النار و هما من أشد الغضب لله تعالى بما عايناه من عصيان العاصين و فسق الفاسقين إذ لا يكاد يغيب عنهما أين و لا تخفى عنها خائنة عين فإنه لا يبصر أحد إلا بنورهما و لا يدرك إلا بضوءيهما و لو كانا خلف حجاب من الغيب الليلي أو وراء ستر من الغيم اليومي فإن الضوء الباقي على البسيطة في ظل الأرض ضوؤهما و النور نورهما و مع ما هما عليه من الغضب لله فإنه لمك يشتد غضبهما إلا من حيث نزع لجام الرحمة عنهما و قبض ضياء اللين و الرأفة منهما و كذلك عن كل ظاهر من الحياة الدنيا في قبض الرحمة المستردة من هذه الدار إلى دار الحيوان و الأنوار

قال صلى الله عليه و سلم [ إن لله مائة رحمة نزل منها واحدة إلى الأرض فبها تتعاطف البهائم و يتراحم الخلق و تتواصل الأرحام فإذا كان يوم القيامة قبض الله هذه الرحمة وردها إلى التسعة و التسعين و أكملها مائة كما كانت ثم جعل المائة كلها رحمة المؤمنين و خلت دار العذاب و من فيها من الفاسقين من رحمة رب العالمين فبزوال هذه الرحمة زال ما كان فيه القمر من رطوبة و أنوار و لم يبق إلا ظلمة و زمهرير و بزوالها زال ما كان بالشمس من وضح و إشراق و لم يبق إلا فرط سواد و احتراق و بما كانا به قبل من الصفة الرحمانية كان إمهالها للعاصين و إبقاؤهما على القوم الفاسقين و هي زمام الإمساك و لجام المنع عن التدمير و الإهلاك و هي سنة الله تعالى في الإبقاء إلى الوقات و الإمهال إلى الآجال إلا أن يشاء غير ذلك فلا راد لأمره و لا معقب لحكمه لا إله إلا هو سبحانه ]

قال المؤلف رحمه الله: و قد روى عكرمة عن ابن عباس تكذيب كعب الأحبار في قوله و قال: هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام و الله أكرم و أجل من أن يعذب على طاعته ألم تر إلى قوله تعالى: { و سخر لكم الشمس و القمر دائبين } يعني دؤوبهما في طاعته فكيف يعذب عبدين أثنى الله عليهما أنهما دائبان في خدمته و طاعته ثم حدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الله تعالى لما أبرم خلقه إحكاما و لم يبق غير آدم خلق شمسا و قمرا من نور عرشه ] الحديث و في آخره فإذا قامت الساعة و قضى الله في أهل الدارين و ميز أهل الجنة و النار و لم يدخلوها بعد أن يدعو الله بالشمس و القمر يجاء بهما أسودين مكورين قد وقفا في الزلازل لأن فرائصهما ترعد من أهوال ذلك اليوم من مخافة الرحمن تبارك و تعالى فإذا كانا حيال العرش خرا ساجدين لله تعالى فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك و دؤوبنا في طاعتك و سرعتنا للمضي في أمرك في أيام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين إيانا فيقول الله تعالى: صدقتما إني قد قضيت على نفسي أني أبدي و أعيد إني معيدكم إلى ما بدأتكما منه فارجعا إلى ما خلقتكما منه فيقولان: ربنا مم خلقتنا ؟ فيقول خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيلتمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الأبصار نورا فيختلطان بنور العرش فذلك قوله تعالى { إنه هو يبدئ ويعيد } ذكره الثعلبي في كتاب العرائس له و الله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت