فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 295

باب ما جاء أن ملك الموت عليه السلام هو القابض لأرواح الخلق و أنه يقف على كل بيت في كل يوم خميس مرات و على كل ذي روح كل ساعة و أنه ينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة

قال الله تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم }

و روي عن ابن عمر قال: إذا قبض ملك الموت روح المؤمن قام على عتبة الباب و لأهل البيت ضجة فمنهم الصاكة وجهها و منهم الناشرة شعرها و منهم الداعية بويلها فيقول ملك الموت عليه السلام: فيم هذا الجزع فو الله ما أنقصت لأحد منكم عمرا و لا ذهبت لأحد منكم برزق و لا ظلمت لأحد منكم شيئا فإن كانت شكايتكم و سخطكم علي فإني و الله مأمور و إن كان ذلك على ميتكم فإنه في ذلك مقهور و إن كان ذلك على ربكم فأنتم به كفرة و إن لي فيكم عودة ثم عودة فلو أنهم يرون مكانه أو يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم و لبكوا على أنفسهم: خرجه أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلؤيات له

و روى معناه مرفوعا في الخبر المشهور المروي في الأربعين [ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما من بيت إلا و ملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات فإذا وجد الإنسان قد نفذ أكله و انقطع أجله ألقى عليه غمرات الموت فغشيته كرباته و غمرته غمراته فمن أهل بيته الناشرة شعرها و الضاربة وجهها و الباكية لشجوها و الصارخة بويلها فيقول ملك الموت عليه السلام: ويلكم مم الفزع و مم الجزع ؟ ما أذهبت لأحد منكم رزقا و لا قربت له أجلا و لا أتيته حتى أمرت و لا قبضت روحه حتى استأمرت و إن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا ]

قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ و الذي نفسي بيده لو يرون مكانه و يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم و لبكوا على أنفسهم حتى إذا حمل الميت على النعش رفرفت روحه فوق النعش و هو ينادي: يا أهلي و يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله و من غير حله ثم خلفته لغيري فالمهناة له و التبعة علي فاحذروا ما حل بي ]

و روى جعفر بن محمد [ عن أبيه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ملك الموت عند رأس رجلا من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه و سلم: ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت: يا محمد طيب نفسا و قر عينا فإني بكل مؤمن رفيق و اعلم أن ما من أهل بيت مدر و لا شعر في بر و لا بحر إلا و أنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم و كبيرهم منهم لأنفسهم و الله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها ]

قال جعفر بن محمد: بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة ذكره الماوردي

قال الشيخ المؤلف رحمه الله: و في هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح و أن تصرفه كله بأمر الله عز و جل و بخلقه و اختراعه

قال ابن عطية: و روي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت كأنه يعدم حياتها قال: و كذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف يتصرف ملك الموت و ملائكة معه في قبض أرواحهم فخلق الله ملك الموت و خلق على يديه قبض الأرواح و انسلالها من الأجسام و إخراجها منه و خلق جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره

فقال تعالى: { و لو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة }

و قال تعالى: { توفته رسلنا } و الباري سبحانه خالق الكل الفاعل حقيقة لكل فعل

قال الله تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها } و قال: { الذي خلق الموت و الحياة } و قال: { يحيي و يميت } فملك الموت يقبض الأرواح و الأعوان يعالجون و الله يزهق الروح وهذا هو الجمع بين الآي و الحديث لكنه لما كان ملك الموت متولى ذلك بالوساطة و المباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيف الخلق للملك

قال الشيخ المؤلف رحمه الله: كما في حديث ابن مسعود قال: حدثنا عليه السلام صلى الله عليه و سلم و هو الصدق المصدوق [ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ] الحديث خرجه مالك و غيره

قوله: يجمع خلقه في بطن أمه قد جاء مفسرا عن ابن مسعود رضي الله عنه رواه الأعمش عن خيثمة

قال: قال عبد الله: إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله سبحانه أن يخلق منها بشرا طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر و شعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دما في الرحم فذلك جمعها

و في صحيح مسلم أيضا: [ عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إذا مر بالنطفة إثنتان و أربعون بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها و بصرها و شعرها و جلدها و لحمها و عظامها ثم يقول: أي رب أذكر أم أنثى ؟ ] و ذكر الحديث و ما قبله يفسره ويبينه لأن النطفة لا يبعث الملك إليها إلا بتمام اثنتين و أربعين ليلة فتأمله و نسبه الخلق و التصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقة و إنما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عنه التصوير و التشكيل بقدرة الله تعالى و خلقه و اختراعه ألا تراه سبحانه و تعالى قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية و قطع عنها نسب جميع الخليقة فقال تعالى: { و لقد خلقناكم ثم صورناكم } إلى غير ذلك من الآيات مع ما دلت عليه قاطعات البراهين إذ لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين و هكذا القول في قوله: [ ثم يرسل الملك فينفخ ففيه الروح ] أي أن النفخ فيه سبب يخلق الله فيه الروح و الحياة و كذلك القول في سائر الأسباب المعتادة فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره فتأمل ذلك هذا هو الأصل و تمسك به ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال و القائلين بالطبائع و غيرهم و أن الله هو القابض لأرواح جميع الخلق على الصحيح و أن ملك الموت و أعوانه وسائط و قد سئل مالك بن أنس عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها ؟ فأطرق مليا ثم قال: ألها نفس ؟ قال: نعم قال: ملك الموت يقبض أرواحها { الله يتوفى الأنفس حين موتها }

و في الخبر: أن ملك الموت و ملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء و قال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى فأوحى الله إليهما: كونا على علمكما و ما سخرتما له من الصنع و أنا المميت و المحيي لا مميت و لا محيي سواي ذكره أبو حامد في الأحياء

و ذكر أبو نعيم الحافظ عن ثابت البناني قال الليل و النهار أربع و عشرون ساعة ليس منه ساعة تأتي على ذي روح إلا ملك الموت قائم عليها فإن أمر بقبضها قبضها و إلا ذهب و هذا عام في كل ذي روح

و في خبر الإسراء عن ابن عباس فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها و بحرها الحديث و قد تقدم

و روى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: [ حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن ملك الموت لينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة قال: إذا ضحك العبد الذي بعث إليه قال: يقول عجبا بعثت إليه لأقبض روحه و هو يضحك ] و الله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت