فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 295

باب ماجاء أن القبر أول منازل الآخرة و في البكاء عنده و في حكمه و الاستعداد له

ابن ماجه عن هانىء بن عثمان قال: كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة و النار و لاتبكي و تبكي من هذا ؟ قال [ إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر منه و إن لم ينج منه فما بعد أشد منه ]

قال [ قال يا رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما رأيت منظرا قط إلا و القبر أفظع منه ] أخرجه الترمذي و زاد رزين قال: و سمعت عثمان ينشد على قبر شعرا:

( فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... و إلا فإني لا إخالك ناجيا )

ابن ماجه [ عن البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى و أبكى حتى بل الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا ]

فصل: القبر واحد القبور في الكثرة و أقبر في القلة و يقال للمدفن: مقبر

قال الشاعر:

( لكل أناس مقبر بفنائهم ... و هم ينقصون و القبور تزيد )

و اختلف في أول من سن القبر ؟: الغراب لما قتل قابيل هابيل و قيل بنو إسرائيل و ليس بشيء و قد قيل: كان قابيل يعلم الدفن و لكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه فقال عند ذلك { يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوآة أخي فأصبح من النادمين } حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قبض الله الغراب له حتى واراه و لم يكن ذلك ندم توبة و قيل: ندمه إنما كان على فقده لا على قتله

قال ابن عباس: و لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة و يقال: إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه إذ أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه ففعل القاتل بأخيه كذلك فبقي ذلك سنة لازمة في بني آدم و في التنزيل { ثم أماته فأقبره } أي جعل له قبرا يواري فيه إكراما له و لم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير و العوافي قاله الفراء

و قال أبو عبيدة: جعل له قبرا و أمر أن يقبر قال أبو عبيدة: و لما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن قالت بنو تميم و دخلوا عليه: أقبرنا صالحا فقال: دونكموه و حكم القبر: أن يكون مسنما مرفوعا على وجه الأرض قليلا غير مبني بالطين و الحجارة و الجص فإن ذلك منهى عنه

و روى مسلم [ عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجصص القبر و أن يقعد عليه و أن يبنى عليه ] و خرجه الترمذي أيضا [ عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تجصص القبور و أن يكتب عليها و أن يبنى عليها و أن توطأ ] قال أبو عيسى هذا حديث صحيح

قال علماؤنا رحمهم الله: و كره مالك تجصيص القبور لأن ذلك من المباهاة و زينة الحياة الدنيا و تلك منازل الآخرة و ليس بموضع المباهاة و إنما يزين الميت في قبره عمله و أنشدوا:

( و إذا وليت أمور قوم ليلة ... فاعلم بأنك بعدها مسؤول )

( و إذا حملت إلى القبور جنازة ... فاعلم بأنك بعدها محمول )

( ياصاحب القبر المنقش سطحه ... و لعله من تحته مغلول )

و في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ ألا تدع تمثال إلا طمسته و لا قبرا مشرفا إلا سويته

و قال أبو داود في المراسيل عن عاصم بن أبي صالح: رأيت قبر النبي صلى الله عليه و سلم شبرا أونحوا من شبر يعني في الارتفاع

قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: بسنم القبر ليعرف كي يحترم و يمنع من الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله فإنها كانت تعلى عليها و تبني فوقها تفخيما لها وتعظيما و أنشدوا:

( أرى أهل القصور إذا أميتوا ... بنوا فوق المقابر بالصخور )

( أبوا إلا مباهاة و فخرا ... على الفقراء حتى في القبور )

( لعمرك لو كشفت الترب عنهم ... فما تدري الغني من الفقير )

( و لا الجلد المباشر ثوب صوف ... من الجلد المباشر للحرير )

( إذا أكل الثرى هذا و هذا ... فما فضل الغني على الفقير ؟ )

يا هذا أين الذي جمعته من الأموال و أعددته للشدائد و الأهوال لقد أصبحت كفك منه عند الموت خالية صفرا و بدلت من بعد غناك و عزك ذلا و فقرا فكيف أصبحت يا رهين أوزاره و يا من سلب من أهله و دياره ؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد و أقل اهتمامك لحمل الزاد إلى سفرك البعيد و موقفك الصعب الشديد أو ما علمت يا مغرور: أن لا بد من الارتحال إلى يوم شديد الأهوال و ليس ينفعك ثم قيل و لا قال بل يعد عليك بين يدي الملك الديان ما بطشت اليدان و مشت القدمان و نطق به اللسان و عملت الجوارح و الأركان فإن رحمك فإلى الجنان و إن كانت الأخرى فإلى النيران يا غافلا عن هذه الأحوال إلى كم هذه الغفلة و التوان أتحسب أن الأمر صغير و تزعم أن الخطب يسير ؟ و تظن أن سينفعك حالك إذا آن ارتحالك أو ينقذك مالك حين توبقك أعمالك أو يغني عنك ندمك إذا زلت بك قدمك أو يعطف عليك معشرك حين يضمك محشرمك كلا و الله ساء ما تتوهم و لا بد لك أن ستعلم لا بالكفاف تقنع و لا من الحرام تشبع ولا للعظاة تستمع و لا بالوعيد ترتدع دأبك أن تنقلب مع الأهواء و تخبط خبط العشواء يعجبك التكاثر بما لديك و لا تذكر ما بين يديك يا نائما في غفلة و في خبطة يقظان إلى كم هذه الغفلة و التوان أتزعم أن سترك سدى و أن لا تحاسب غدا أم تحسب أن الموت يقبل الرشا أم تميز بين الأسد و الرشا كلا و الله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون و لا ينفع أهل القبور إلا العمل المبرور فطوبى لمن سمع و وعى و حقق ما ادعى و نهى النفس عن الهوى و علم أن الفائز من ارعوى { و أن ليس للإنسان إلا ما سعى * و أن سعيه سوف يرى } فانتبه من هذه الرقدة و اجعل العمل الصالح لك عدة ولا تتمن منازل الأبرار و أنت مقيم على الأوزار عامل بعمل الفجار بل أكثر من الأعمال الصالحات و راقب الله في الخلوات رب الأرض و السموات ولا يغرنك الأمل فتزهد عن العمل أو ماسمعت الرسول حيث يقول لما جلس على القبور: [ يا إخواني لمثل هذا فأعدوا ] أو ما سمعت الذي خلقك فسواك يقول: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى }

و أنشدوا:

( تزود من معاشك للمعاد ... و قم لله و اعمل خير زاد )

( و لا تجمع من الدنيا كثيرا ... فإن المال يجمع للنفاد )

( أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد ؟ )

و قال آخر:

( إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... و لاقيت بعد الموت من قد تزودا )

( ندمت على أن لا تكون كمثله ... و أنك لم ترصد كما كان أرصدا )

و قال آخر:

( الموت بحر طافح موجه ... تذهب فيه حيلة السابح )

( يانفس إني قائل فاسمعي ... مقالة من مشفق ناصح )

( لا ينفع الإنسان في قبره ... غير التقى و العمل الصالح )

و قال آخر:

( أسلمني الأهل ببطن الثرى ... و انصرفوا عني فيا وحشتا )

( و غادروني معدما يائسا ... ما بيدي اليوم إلا البكا )

( و كل ما كان كأن لم يكن ... و كل ما حذرته قد أتى )

( و ذا كم المجموع و المقتنى ... قد صار في كفي مثل الهبا )

( و لم أجد لي مؤنسا ها هنا ... غير فجور موبق أو بقا )

( فلو تراني و ترى حالتي ... بكيت لي يا صاح مما ترى )

و قال آخر:

( و لدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... و القوم حولك يضحكون سرورا )

( فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا )

و روي عن محمد القرشي قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس: إني لكم ناصح و عليكم شفيق فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر و صوموا في الحر قبل يوم النشور و حجوا يحط عنكم عظائم الأمور و تصدقوا مخافة يوم عسير

و كان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته المتخلى في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت و بأي أحوالك اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته و يقول: استبشر ـ و الله ـ بأعماله الصالحة و اغتبط ـ و الله ـ بإخوانه المعاونين له على طاعة الله و كان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور و سيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه و ما فيه من الموعظة إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت