مسلم [ عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه و سلم قبر أمه فبكى و أبكى من حوله فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي و استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ] و عن ابن ماجه [ عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تزهد في الدنيا و تذكر الآخرة ] فصل: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء مختلف فيه للنساء أما الشواب فحرام عليهن الخروج و أما القواعد فمباح لهن ذلك و جائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال و لا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى و على هذا المعنى يكون قوله عليه الصلاة و السلام: [ زوروا القبور ] عاما و أما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال و النساء فلا يجوز و لا يحل فبينا الرجل يخرج ليعتبر فيقع بصره على امرأة فيفتتن و بالعكس فيرجع كل واحد من الرجال و النساء مأزورا مأجورا و هذا واضح و الله أعلم
و قد رأى بعض أهل العلم: أن لعن النبي صلى الله عليه و سلم زوارات القبور كان قبل أن يرخص في زيارة القبور فلما رخص دخل الرجال و النساء و ما ذكرناه لك أولا أصح و الله أعلم
و روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: ياأهل القبور أخبرونا عنكم أو نخبركم أما خبر من قبلنا: فالمال قد اقتسم و النساء قد تزوجن والمسكن قد سكنها قوم غيركم ثم قال: أما و الله لو استطاعو لقالوا: لم نر زادا خيرا من التقوى
و لقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
( ياعجبا للناس لو فكروا ... و حاسبوا أنفسهم أبصروا )
( و عبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر )
( لا فخر إلا فخر أهل التقى ... غدا إذا ضمهم المحشر )
( ليعلمن الناس أن التقي ... و البر كانا خير ما يدخر )
( عجبت للإنسان في فخره ... و هو غدا في قبره يقبر )
( ما بال من أوله نطفة ... و جيفة آخره يفجر )
( أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو و لا تأخير ما يحذر )
( و أصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يقضي و ما يقدر )
فصل: قال العلماء رحمة الله عليهم: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور و خاصة إن كانت قاسية فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور:
أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ و التذكر و التخويف و الترغيب و أخبار الصالحين فإن ذلك مما يلين القلوب و ينجع فيها
الثاني: ذكر الموت من ذكر هادم اللذات و مفرق الجماعات و ميتم البنين و البنات كما تقدم في الباب قبل يروى أن امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها قساوة قلبها فقالت لها: أكثري من ذكر الموت يرق قلبك ففعلت ذلك فرق قلبها فجاءت تشكر عائشة رضي الله عنها قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي و يلين القلب القاسي و يذهب الفرح بالدنيا و يهون المصائب فيها
الثالث: مشاهدة المحتضرين فإن في النظر إلى الميت و مشاهدة سكراته و نزعاته و تأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها و يطرد عن القلوب مسراتها و يمنع الأجفان من النوم و الأبدان من الراحة ويبعث على العمل و يزيد في الاجتهاد و التعب
يروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت فنظر إلى كربه و شدة ما نزل به فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم فقالوا له: الطعام يرحمك الله فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم و شرابكم فو الله لقد رأيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى ألقاه
فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه و لزمه ذنبه أن يستعين بها على دواء دائه و يستصرخ بها على فتن الشيطان و إغوائه فإن انتفع بها فذاك و إن عظم عليه ران القلب و استحكمت فيه دواعي الذنب فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك مالا يبلغه الأول و الثاني و الثالث و لذلك قال عليه السلام [ زوروا القبور فإنها تذكر الموت و الآخرة و تزهد في الدنيا ] فالأول: سماع بالأذن و الثاني: إخبار للقلب بما إليه المصير و قائم له مقام التخويف و التحذير في مشاهدة من احتضر و زيارة قبر من مات من المسلمين معاينة فلذلك كانا أبلغ من الأول و الثاني
قال صلى الله عليه و سلم: [ ليس الخبر كالمعاينة ] رواه ابن عباس و لم يروه أحد غيره إلا أن الاعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل الأوقات و قد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات و أما زيارة القبور: فوجودها أسرع و الانتفاع بها أليق و أجدر فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها و يحضر قلبه في إتيانها و لا يكون حظه منها الطواف على الأجداث فقط فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة و نعوذ بالله من ذلك بل يقصد بزيارته: وجه الله تعالى و إصلاح فساد قلبه أو نفع الميت مما يتلوه عنده من القرآن على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى و يجتنب المشي على المقابر و الجلوس عليها إذا دخل المقابر و يخلع نعليه كما جاء في أحاديث و يسلم إذا دخل المقابر و يخاطبهم خطاب الحاضرين فيقول: [ السلام عليكم دار قوم مؤمنين ] كذلك كان عليه الصلاة و السلام يقول و كنى بالدار عن عمارها و سكانها و لذلك خاطبهم بالكاف و الميم لأن العرب تعبر بالمنزل عن أهله و إذا وصل إلى قير ميته الذي يعرف سلم عليه أيضا فييقول: عليك السلام
روى الترمذي في جامعه: [ أن رجلا دخل عبى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: عليك السلام فقال صلى الله عليه و سلم: لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت ] و ليأته من تلقاء وجهه في زيارته كمخاطبته حيا و لو خاطبة حيا لكان الأدب استقباله بوجهه فكذلك ههنا ثم يعتبر بمن صار تحت التراب و انقطع عن الأهل و الأحباب بعد أن قاد الجيوش و العساكر و نافس الأصحاب و العشائر و جمع الأموال و الذخائر فجاءه الموت على وقت لم يحتسبه و هول لم يرتقبه فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه و درج من أقرانه الذين بلغوا الآمال و جمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم و لم تغن عنهم أموالهم و محا التراب محاسن وجوههم و افترقت في القبور أجزاؤهم و ترمل بعدهم نساؤهم و شمل ذل اليتم أولادهم و اقتسم غيرهم طريقهم و بلادهم
و ليتذكر ترددهم في المآرب و حرصهم على نيل المطالب و انخداعهم لمؤاتاة الأسباب و ركونهم إلى الصحة و الشباب و ليعلم أن ميله إلى اللهو و اللعب كميلهم و غفلته عما بين يديه من الموت الفظيع و الهلاك السريع كغفلتهم و أنه لا بد صائر إلى مصيرهم و ليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه و كيف تهدمت رجلاه و كان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله و قد سالت عيناه و يصول ببلاغة نطقه و قد أكل الدود لسانه و يضحك لمؤاتاة دهره و قد أبلى التراب أسنانه و ليتحقق أن حاله كحاله و مآله كمآله و عند هذا التذكر و الاعتبار يزول عنه جميع الأغيار الدنيوية و يقبل على الأعمار الأخروية فيزهد في دنياه و يقبل على طاعة مولاه و يلين قلبه و يخشع جوارحه و الله أعلم
فصل: جاء في هذا الباب: حديث يعرض حديث هذا الباب و هو ما خرجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب السابق و اللاحق و أبو حفص عمر بن شاهين في الناسخ و المنسوخ له في الحديث بإسناديهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: [ حج بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون و هو باك حزين مغتم فبكيت لبكائه صلى الله عليه و سلم ثم إنه طفر أي وثب فنزل فقال: يا حميراء استمسكي فاستندت إلى جنب البعير فمكث عني طويلا ثم عاد إلي و هو فرح مبتسم فقلت له: بأبي أنت و أمي يا رسول الله نزلت من عندي و أنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله ثم إنك عدت إلي و أنت فرح مبتسم فعن ماذا يا رسول الله ؟ فقال: مررت بقبر أمي آمنة فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي ـ أو قال ـ فآمنت و ردها الله عز و جل ] لفظ الخطيب و قد ذكر السهيلي في الروض الأنف بإسناد فيه مجهولون [ أن الله تعالى أحيا له أباه و أمه و آمنا به ]
قال الشيخ المؤلف رحمه الله: و لا تعارض و الحمد لله لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفار لهما بدليل حديث عائشة رضي الله عنها: أن ذلك كان في حجة الوداع و كذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار
قلت: و يبينه حديث مسلم [ عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله: أين أبي ؟ قال: في النار فلما قفا دعاه قال: إن أبي و أباك في النار ] و حديث سلمة بن يزيد الجعفي و فيه: [ فلما رأى ما دخل علينا قال: و أمي مع أمكما ] و هذا إن صح إحياؤهما و قد سمعت: أن الله تعالى أحيا له عمه أبا طالب و آمن به و الله أعلم
و قد قيل: إن الحديث في إيمان أمه و أبيه موضوع يرده القرآن العظيم و الإجماع قال الله العظيم { و لا الذين يموتون و هم كفار } فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكيف بعد الإعادة ؟ و في التفسير أنه عليه السلام قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنزل { و لا تسأل عن أصحاب الجحيم }
قال المؤلف: ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية و فيه نظر و ذلك أن فضائل النبي صلى الله عليه و سلم و خصائصه لم تزال تتوالى و تتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله الله تعالى و أكرمه به
ليس إحياؤهما و إيمانهما بممتنع عقلا و لا شرعا فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل و إخباره بقاتله و كان عيسى عليه السلام يحيى الموتى و كذلك نبينا عليه الصلاة و السلام أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى و إذا ثبت هذا فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته و فضيلته مع ما ورد من الخبر في ذلك و يكون ذلك خصوصا فيمن مات كافرا و قوله: فمن مات كافرا إلى آخر كلامه مردود بما روي في الخبر أن الله تعالى رد الشمس على نبيه عليه السلام بعد مغيبهما ذكر أبو جعفر الطحاوي و قال: إنه حديث ثابت فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا و أنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه فكذلك يكون إحياء أبوي النبي صلى الله عليه و سلم نافعا لإيمانهما و تصديقهما بالنبي صلى الله عليه و سلم و قد قبل الله إيمان قوم يونس و توبتهم مع تلبسهم بالعذاب فيما ذكر في بعض الأقوال و هو ظاهر القرآن و أما الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما و كونهما في العذاب و الله بغيبه أعلم و أحكم