فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 295

قال الله عز و جل مخبرا عن يوسف عليه السلام: { توفني مسلما و ألحقني بالصالحين } و عن مريم عليها السلام في قولها: { يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا } [ و عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: لا تقوم الساعة حتى يمر حتى بقبر الرجل فيقول فيقول: يا ليتني مكانه ]

فصل: قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة و التي قبلها لما نبينه أما يوسف عليه السلام فقال قتادة: لم يتمن الموت أحد: نبي و لا غيره إلا يوسف عليه السلام حين تكاملت عليه النعم و جمع له الشمل: اشتاق إلى لقاء ربه عز و جل فقال: { رب قد آتيتني من الملك و علمتني } الآية فاشتاق إلى لقاء ربه عز و جل و قيل إن يوسف عليه السلام لم يتمن الموت و إنما تمنى الموافاة على الإسلام أي إذا جاء أجلي تو فني مسلما و هذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل و الله أعلم

و أما مريم عليها السلام فإنما تمنت الموت لوجهين:

أحدهما: أنها خافت أن يظن بها السوء في دينها و تعير فيفتنها ذلك

الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان و الزور و النسبة إلى الزنا و ذلك مهلك لهم و الله أعلم

و قد قال الله تعالى عز و جل في حق من افترى على عائشة رضي الله عنها { و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } و قال: { و تحسبونه هينا و هو عند الله عظيم } و قد اختلف في مريم عليها السلام: هل هي صديقة لقوله تعالى: { و أمه صديقة } أو نبية لقوله تعالى: { فأرسلنا إليها روحنا } و قوله: { إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك } الآية و عليه فيكون الافتراء عليها عظيم أعظم و البهتان في حقها أشد و فيه يكون الهلاك حقا فعلى هذا الحد الذي ذكرناه من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائز و الله أعلم

و أما الحديث فإنما هو خبر: أن ذلك سيكون لشدة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين و ضعفه و خوف ذهابه لا لضر ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك من ذهاب ماله مما يحط به عنه خطاياه و مما يوضح هذا المعنى و يبينه قوله عليه السلام: [ اللهم إني أسألك فعل الخيرات و ترك المنكرات و حب المساكين و إذا أردت ـ و يروى أدرت ـ في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ] رواه مالك و مثل هذا قول عمر رضي الله عنه: اللهم قد ضعفت قوتي و كبرت سني و انتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع و لا مقصر فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض رحمه الله رواه مالك أيضا

و ذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد و الاستذكار من حديث زاذان أبي عمر عن عليم الكندي قال: كنت جالسا مع أبي العباس الغفاري على سطح فرأى ناسا يتحملون من الطاعون فقال: يا طاعون خذني إليك يقولها ثلاثا فقال عليم: لم تقول هذا ؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لا يتمنين أحدكم الموت فإنه عند ذلك انقطاع عمله و لا يرد فيسعتب ] فقال أبو عباس: [ أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: بادروا بالموت ستا: إمرة السفهاء و كثرة الشرط و بيع الحكم و استخفافا بالدم و قطيعة الرحم و نشئا يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليغنيهم بالقرآن و إن كان أقلهم فقها ] و سيأتي لهذا مزيد بيان في الفتن ـ إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت