فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 295

البخاري [ عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم في مجلس يحدث القوم إذ جاء أعرابي فقال متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديثه فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال و قال بعضهم: بل لم يسمع ما قال حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة ؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال: و كيف إضاعتها ؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ]

قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية رحمه الله: الرواية الصحيحة عند جميع رواة البخاري [ إذا وسد ] و رواه الفقيه الإمام المحدث أبو الحسن القابسي: [ أسد ] قال: و الذي أحفظ [ وسد ] و في نسخة من البخاري إشكال بين وسد أو أسد على ما قيد له لأنه كان أعمى و هما بمعنى قال أهل اللغة: يقال إساد و وساد و اشتقاقهما واحد يقال: إساد و وسادة و وساد فمعنى قوله صلى الله عليه و سلم: [ إذا وسد الأمر إلى غير أهله ] أي أسند و جعل إليهم و قلدوه بمعنى الإمارة كما في زماننا اليوم لأن الله تعالى ائتمن الأئمة و الولاة على عباده و فرض عليهم النصيحة لهم لقوله صلى الله عليه و سلم [ كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته ] فينبغي لهم تولية أهل الدين و الأمانة للنظر في أمور الأمة فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم

و خرج مسلم [ من حديث جبريل الطويل و فيه قال: أخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان ]

و في رواية: [ إذا رأيت المرأة تلد ربها فذاك من أشراطها و إذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ]

الترمذي [ عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع ] قال حديث حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو

و خرج الغيلاني أبو طالب محمد: [ حدثنا أبو بكر و الشافعي: حدثنا موسى بن سهل بن كثير أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عبد الملك بن قدامة عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب و يكذب فيها الصادق و يؤتمن فيها الخائن و يخون فيها الأمين و ينطق فيها الرويبضة قيل يا رسول الله و ما الرويبضة ؟ قال: الرجل التافه ينطق في أمر العامة ] و قال أبو عبيد: التافه الرجل الخسيس الخامل من الناس و كذلك كل شيء خسيس فهو تافه قال: و مما يثبت حديث الرويبضة الحديث الآخر أنه قال: [ من أشراط الساعة أن ترى رعاء الشاء رؤوس الناس و أن ترى العراة الحفاة يتبارون في البنيان و أن تلد الأمة ربتها ]

و ذكر أبو عبيد في الغريب له في حديث النبي صلى الله عليه و سلم [ لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش و البخل و يخون الأمين و يؤتمن الخائن و يهلك الوعول و يظهر التحوت قالوا يا رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما الوعول و ما التحوت ؟ قال: الوعول وجوه الناس و التحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم ] و أسند أبو نعيم عن حذيفة مرفوعا: من أشراط الساعة علو أهل الفسق في المساجد و ظهور أهل المنكر على أهل المعروف فقال أعرابي فما تأمرني يا رسول الله ؟ قال: [ دع و كن حلسا من أحلاس بيتك ] و في معناه أنشدوا:

( أيا دهر أعملت فينا أذاكا ... و وليتنا بعد وجه قفاكا )

( قلبت الشرار علينا رؤوسا ... و أجلست سفلتنا مستواكا )

( فيا دهر إن كنا عاديتنا ... فها قد صنعت بنا ما كفاكا )

و قال آخر:

( ذهب الرجال الأكرمون ذوو الحجا ... و المنكرون لكل أمر منكر )

( و بقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع مغرور عن معور )

فصل

قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ما أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الباب و غيره مما تقدم و يأتي قد ظهر أكثره و شاع في الناس معظمه فوسد الأمر إلى غير أهله و صار رؤوس الناس أسافلهم عبيدهم و جهالهم فيملكون البلاد و الحكم في العباد فيجمعون الأموال و يطيلون البنيان كما هو مشاهد في هذه الأزمان فلا يسمعون موعظة و لا ينزحرون عن معصية فهم صم بكم عمي قال قتادة: صم عن استماع الحق بكم عن التكلم به عمي عن الإبصار له و هذه صفة أهل البادية و الجهالة

و البهم: جمع بهيمة و أصلها صغار الضأن و المعز و قد فسره في الرواية الأخرى في قوله: رعاء الشاه و قوله و أن تلد الأمة ربها و في رواية ربتها تأنيث رب أي سيدها و قال وكيع و هو أن تلد العجم العرب ذكره ابن ماجه في السنن

قال علماؤنا: و ذلك بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه و منزلته بأبيه و على هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين و اتساع خطتهم و كثرة الفتوح و هذا قد كان و قيل: هو أن يبيع السادات أمهات الأولاد و يكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدت فربما يشتريها ولدها و لا يشعر فيكون ربها و على هذا الذي يكون من أشراط الساعة غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد و هم الجمهور

و قيل: المراد أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة و السب و يشهد لهذا ما جاء في حديث أبي هريرة المرأة مكان الأمة و قوله عليه الصلاة و السلام: [ حتى يكون الولد غيظا ] و سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

قلت: و هذا ظاهر في الوجود من غير نكير مستفيض و شهير و قيل: إنما كان سيدها و ربها لأنه كان سبب عتقها كما قال عليه الصلاة و السلام في مارية: [ أعتقها ولدها ]

قلت: و قول خامس سمعت شيخنا الأستاذ المحدث النحوي المقرئ أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة يقوله غير مرة و هو الإخبار عن استيلاء الكفار على بلاد المسلمين كما في هذه الأزمان التي قد استولى فيها العدو على بلاد الأندلس و خراسان و غيرهما من البلدان فتسبى المرأة و هي حبلى أو ولدها صغير فيفرق بينهما فيكبر الولد فربما يجتمعان و يتزوجها كما قد وقع من ذلك كثير فإنا لله و إنا إليه راجعون و يدل على هذا قوله: إذا ولدت المرأة بعلها و هذا هو المطابق للأشراط مع قوله عليه الصلاة و السلام [ لا تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر أهل الأرض ] و الله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت