فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 295

النسائي [ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أكثروا ذكر هادم اللذات ] يعني الموت أخرجه ابن ماجه و الترمذي أيضا و خرجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس [ عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات قلنا يا رسول الله: و ما هادم اللذات ؟ قال: الموت ]

ابن ماجه [ عن ابن عمر قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء رجل من الأنصاري فسلم على النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله: أي المؤمنين أفضل ؟ قال: أحسنهم خلقا قال: فأي المسلمين أكيس ؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا و أحسنهم لما بعدهم استعدادا أولئك الأكياس ] أخرجه مالك أيضا و سيأتي في الفتن ـ إن شاء الله تعالى

الترمذي [ عن شداد بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله ]

و روي عن أنس قال: [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب و يزهد في الدنيا ] و روي عنه عليه السلام أنه قال: [ كفى بالموت واعظا و كفى بالموت مفرقا ] و قيل له يا رسول الله: [ هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال: نعم من يذكر الموت في اليوم و الليلة عشرين مرة ] و قال السدي في قوله تعالى: { الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي أكثركم للموت ذكرا و له أحسن استعدادا و منه أشد خوفا و حذرا

فصل: قال علماؤنا رحمة الله عليهم [ قوله عليه السلام: أكثروا ذكر هادم اللذات الموت ] كلام مختصر و جيز قد جمع التذكرة و أبلغ في الموعظة فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة و منعه من تمنيها في المستقبل و زهده فيما كان منها يؤمل و لكن النفوس الراكدة و القلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعاظ و تزويق الألفاظ و إلا ففي قوله عليه الصلاة و السلام: [ أكثروا ذكر هادم اللذات ] مع قوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } ما يكفي السامع له و يشغل الناظر فيه و كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:

( لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله و يودي المال و الولد )

( لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... و الخلد قد حاولت عاد فما خلدوا )

( و لا سليمان إذ تجري الرياح له ... و الإنس و الجن فيما بينها ترد )

( أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد ؟ )

( حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا )

فصل: إذ ثبت ما ذكرناه فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية و التوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق و سعة و نعمة و محنة فإن كان في حال ضيق و محنة فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه فإنه لا يدوم و الموت أصعب منه أو في حال نعمة و سعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها و السكون إليها لقطعه عنها و لقد أحسن من قال:

( اذكر الموت هادم اللذات ... و تجهز لمصرع سوف يأتي )

و قال غيره:

( و اذكر الموت تجد راحة ... في إذكار الموت تقصير الآمل )

و أجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم و لا زمن معلوم و لا مرض معلوم و ذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك مستعدا لذلك و كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل فلما توفي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه فقيل: إنه قد مات فقال:

( ما زال يلهج بالرحيل و ذكره ... حتى أناخ ببابه الجمال )

( فأصابه متيقظا متشمرا ... ذا أهبة لم تلهه الآمال )

و كان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: و يحك يا يزيد من ذا يترضى عنك ربك الموت ؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون و تنوحون على أنفسكم باقي حياتكم ؟ من الموت طالبه و القبر بيته و التراب فراشه و الدود أنيسه و هو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر يكون حاله ؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيا عليه

و قال التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت و ذكر الموقف بين يدي الله تعالى و كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجمع العلماء فيتذاكرون الموت و القيامة و الآخرة فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة

و قال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما فإن سئل عن شيء قال: لا أدري لا أدري و قال أسباط: ذكر عند النبي صلى الله عليه و سلم رجل فأثنى عليه فقال عليه السلام: [ كيف ذكره للموت ؟ فلم يذكر ذلك عنه فقال: ما هو كما تقولون ]

و قال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة و قناعة القلب و نشاط العبادة و من نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة و ترك الرضى بالكفاف و التكاسل في العبادة فتفكر يا مغرور في الموت و سكرته و صعوبة كأسه و مرارته فيما للموت من وعد ما أصدقه و من حاكم ما أعدله كفى بالموت مقرحا للقلوب و مبكيا للعيون و مفرقا للجماعات و هادما للذات و قاطعا للأمنيات فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك و انتقالك من موضعك و إذا نقلت من سعة إلى ضيق و خانك الصاحب و الرفيق و هجرك الأخ و الصديق و أخذت من فراشك و غطائك إلى عرر و غطوك من بعد لين لحافك بتراب و مدر فيا جامع المال و المجتهد في البنيان ليس لك و الله من مال إلا الأكفان بل هي و الله للخراب و الذهاب و جسمك للتراب و المآب فأين الذي جمعته من المال ؟ فهل أنقذك من الأهوال ؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك و قدمت بأوزارك على من لا يعذرك و لقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى: { و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة و هي الجنة فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في الطين و الماء و التجبر و البغي فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن و نحو هذا قول الشاعر:

( نصيبك مما تجمع الدهر كله: ... رداءان تلوى فيهما و حنوط )

و قال آخر:

( هي القناعة لا تبغي بها بدلا ... فيها النعيم و فيها راحة البدن )

( انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن و الكفن ؟ )

فصل: و قوله عليه الصلاة و السلام: [ الكيس من دان نفسه ] دان حاسب و قيل: ذل قال أبو عبيد: دان نفسه: أي أذلها و استعبدها يقال: دنته أدينه إذ ذللته فيذل نفسه في عبادة الله سبحانه و تعالى عملا يعده لما بعد الموت و لقاء الله تعالى و كذلك يحاسب نفسه على ما فرط من عمره ويستعد لعاقبة أمره بصالح عمله و التنصل من سالف زلله و ذكر الله تعالى و طاعته في جميع أحواله فهذا هو الزاد ليوم المعاد و العاجز ضد الكيس و الكيس: العاقل والعاجز: المقصر في الأمور فهو مع تقصيره في طاعة ربه و اتباع شهوات نفسه متمن على الله أن يغفر له و هذا هو الاغترار فإن الله تعالى أمره و نهاه و قال الحسن البصري: [ إن قوما آلهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا و ما لهم حسنة و يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي و كذب لو أحسن الظن لأحسن العمل ] و تلا قوله تعالى: { و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } و قال سعيد بن جبير: [ الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية و يتمنى على الله المغفرة ] و قال بقية بن الوليد: كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه:

أما بعد [ فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك و تتمنى على الله الأماني بسوء فعلك و إنما تضرب حديدا باردا و السلام ] و سيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت