قال الله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية } الآية و قال: { إلا من آمن و عمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا و هم في الغرفات آمنون } و قال: { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا }
و روى مسلم [ عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال: بلى و الذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله و صدقوا المرسلين ]
و خرج الترمذي الحكيم أخبرنا صالح بن محمد قال: [ حدثنا سليمان بن عمرو عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } و قوله { هم في الغرفات آمنون } قال: الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم و لا وصل و إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة منها كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في أفق السماء و إن أبا بكر و عمر منهم و أنعما ]
قال: [ و حدثنا صالح بن عبد الله و قتيبة بن سعيد و علي بن حجر قالوا: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إن المتحابين في الله تعالى لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول أهل الجنة بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله عز و جل فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا عليهم ثياب خضر من سندس مكتوب على جباههم هؤلاء المتحابون في الله عز و جل ]
و ذكر الثعلبي [ من حديث عمران بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه فيقولون ما هذا النور ؟ فيقال أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطاعة و الصدق ]
[ و روى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إن أهل الغرف ليتراءون عليين كما تتراءون الكوكب الدري في أفق السماء و إن أبا بكر و عمر منهم و أنعما ] و ذكره الثعلبي
الترمذي [ عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقام إلبه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: لمن أطاب الكلام و أطعم الطعام و أدام الصيام و صلى لله بالليل و الناس نيام ]
و ذكر أبو نعيم الحافظ [ من حديث محمد واسع عن الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم فقال: ألا أخبركم بغرف الجنة ؟ غرفا من ألوان الجواهر يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها فيها من النعيم و الثواب و الكرامات ما لا أذن سمعت و لا عين رأت فقلنا: بأبينا أنت و أمنا يا رسول الله لمن تلك ؟ فقال: لمن أفشى السلام و أدام الصيام و أطعم الطعام و صلى و الناس نيام فقلنا: بأبينا أنت و أمنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك ؟ فقال: أمتي تطيق ذلك و سأخبركم من يطيق ذلك من لقى أخاه المسلم فسلم عليه فقد أفشى السلام و من أطعم أهله و عياله من الطعام حتى يشبعم فقد أطعم الطعام و من صام رمضان و من كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام و من صلى العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى والناس نيام: اليهود و النصارى و المجوس ] فصل: اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو و الصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال فبعضها أعلى من بعض و أرفع و قوله الغائر من المشرق أو المغرب يروى بالياء اسم فاعل من غار و قد روى مسلم في غير الغارب بتقديم الراء و المعنى واحد و روي الغابر بالياء بواحدة ومعناه الذاهب أو الباقي فإن غبر من الأضداد يقال غير إذا ذهب و غير إذا بقي و يعني به أن الكوكب حالة طلوعه و غروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرا لبعده و قد بينه بقوله من المشرق أو المغرب و قد روي العازب بالعين المهملة و الزاي أي البعيد و معنيها كلها متقاربة المعنى
و قوله: و الذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله و صدقوا المرسلين و لم يذكر عملا و لا شيئا سوى الإيمان و التصديق للمرسلين و ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ و تصديق المرسلين من غير سؤال آية و لا تلجلج و إلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان و التصديق الذي للعامة و لو كان كذلك كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات و أرفع الدررجات و هذا محال و قد قال الله تعالى { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } و الصبر بذل النفس الثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبودية و هذه صفة المقربين و قال في آية أخرى { و ما أموالكم و لا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون } فذكر شأن الغرفة و أنها لا تنال بالأموال و الأولاد و إنما تنال بالإيمان و لعمل الصالح ثم بين لهم جزاء الضعف و أن محلهم الغرفات يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة و تعلق قلب مطمئنا به في كل ما نابه و بجميع أموره و أحكامه فإذا عمل عملا صالحا فلا يخلطه بضده و هو الفاسد فلا يكون العمل الصالح الذي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن و بجميع أموره و أحكامه و المخلط ليس إيمانه و عمله هكذا فلهذا كانت منزلته دون غيره
قلت: ذكره الترمذي الحكيم رحمة الله عليه و هذا واضح بين و قد قال تعالى { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } و قال: { ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون } فلما باين بين الأبرار و المقربين في الشراب على ما يأتي بيانه باين بينهم في المنازل و الدرجات و أعالي الغرفات حسب ما باين بينهم في الأعمال الصالحات بالاجتهاد في الطاعات قال الله تعالى: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } فيجتهد الإنسان أن يكون من الأبرار المقربين ليكون في عليين و أصحاب عليين جلساء الرحمن و هم أصحاب المنابر من النور في المقعد الصدق و قال تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } إلى قوله { فهو في عيشة راضية * في جنة عالية } فأصحاب اليمين في علو الجنان أيضا و جميعها عوالي و جنات المقربين جميعها علالي و إحداهن عليه كقول الشاعر:
( ألا يا عين ويحك أسعديني ... بغزر الدمع في ظلم الليالي )
( لعلك في القيامة أن تفوزي ... بخير الدار في تلك العلالي )
باب منه
[ روي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إن في الجنة لغرفا ليس لهامغاليق من فوقها و لا عماد من تحتها قيل يا رسول الله وكيف يدخلها أهلها ؟ قال: يدخلونها أشباه الطير قيل: هي يا رسول الله لمن ؟ قال: لأهل الأسقام و الأوجاع و البلوى ] خرجه أبو القاسم زاهر بن محمد بن محمد الشحامي
باب منه
روى الليث بن سعد قال: [ حدثنا محمد بن عجلان أن وافد البصري أخبره عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء و لا شهداء تغبطهم الأنبياء و الشهداء بمنازلهم من الله يكونون على منابر من نور قالوا: و من هم يا رسول الله ؟ قال: هم الذين يحببون الله إلى الناس فكيف يحببون الناس إلى الله ؟ قال: يأمونهم بالمعروف و ينهونهم عن المنكر فإذا أطاعوهم أحبه الله تعالى ]