فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 295

قال الله تعالى { و لمن خاف مقام ربه جنتان } ثم وصفهما ثم قال بعد ذلك { ومن دونهما جنتان } و عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى { و لمن خاف مقام ربه جنتان } أي بعد أداء الفرائض جنتان قيل: على حدة فلكل خائف جنتان و قيل: جنتان لجميع الخائفين و الأول أظهر قال الترمذي محمد بن علي: جنة لخوفه من ربه و جنة لتركه لشهوته و المقام الوضيع أي: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية و قيل: خاف قيام ربه عليه أي: إشرافه و اطلاعه عليه بيانه: { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت }

و قال مجاهد و النخعي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه

و روي [ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: الجنتان بستنان في عرض الجنة كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور على نور و ليس منها شيء إلا يهتز نعمة و خضرة قرارها ثابت و شجرها نابت ] ذكره الهروي و الثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة و قيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور و الأخرى أعاليها و قال مقاتل: هما جنة عدن و جنة النعيم

و قوله { و من دونهما جنتان } قال ابن عباس: أي و له من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان قال ابن عباس: و من دونهما أي في الدرج و الجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين النخل و الشجر و في الأخريين: الزرع و النبات و ما انبسط

قال الماوردي: و يحتمل أن يكون { و من دونهما جنتان } لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته إحداهما للحور العين و الأخرى للولدان المخلدين ليتميز فيها الذكور من الإناث

و قال ابن جريج هي أربع جنان: جنتان منها للسابقين المقربين فيهما من كل فاكهة زوجان و عينان تجريان و جنتان لأصحاب اليمين فيهما فاكهة و نحل و رمان و فيهما عينان تضاختان و قال ابن زيد: الأوليان من ذهب للمقربين و الأخريان من ورق لأصحاب اليمين

قال المؤلف رحمه الله: و إلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب منهاج الدين له و احتج لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس { و لمن خاف مقام ربه جنتان } إلى قوله { مدهامتان } قال: هاتان للمقربين و هاتان لأصحاب اليمين و عن أبي موسى الأشعري نحو ذلك

و لما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما: فقال في الأولين { فيهما عينان تجريان } و في الأخريين { فيهما عينان نضاختان } أي فوارتان بالماء لكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ دون الجري و قال { فيهما من كل فاكهة زوجان } معروف و غريب أو رطب و يابس فعم و لم يخص و في الأخريين { فيهما فاكهة و نخل و رمان } و لم يقل من كل فاكهة و قال في الأوليين { متكئين على فرش بطائنها من إستبرق } و هو الديباج و في الأخريين { متكئين على رفرف خضر و عبقري حسان }

و العبقري: الوشي و لا شك أن الديباج أعلى من الوشي و الرفرف كسر الخباء و لا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء و قال في الأولييم في صفة الحور العيم { كأنهن الياقوت و المرجان } و في الأخريين { فيهن خيرات حسان } و ليس كل حسن كحسن الياقوت و المرجان و قال في الأوليين { ذواتا أفنان } و في الأخريين { مدهامتان } أي خضروان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان و وصف الأوليين بكثرة الأغصان و الأخريين بالخضرة وحدها و في هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدناه قوله { و من دونهما جنتان } و لعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر

فإن قيل كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين ؟ قال: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى و الجنتان الأخريان لمن قصر حاله في الخوف من الله تعالى

قال المؤلف رحمه الله: فهذا قول و القول الثاني أن الجنتين في قوله تعالى: { و من دونهما جنتان } أعلى و أفضل من الأوليين ذهب إلى هذا الضحاك و أن الجنتين الأوليين من ذهب و فضة و الأخريين من ياقون و زمرد

و قوله: { و من دونهما جنتان } أي و من أمامهما و من قبلهما و إلى هذا القول ذهب أبو عبد الله محمد الترمذي الحكيم في: نوادر الأصول و قال: و معنى { و من دونهما جنتان } أي دون هاتين إلى العرش أي أقرب و أدنى إلى العرض و قال مقاتل الجنتان الأوليان: جنة عدن و جنة النعيم و الأخريان جنة الفردوس و جنة المأوى

قال المؤلف رحمه الله: و يدل على هذا قوله عليه الصلاة و السلام: [ إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ] الحديث و سيأتي قال الترمذي: و قوله { فيهما عينان نضاختان } أي بألوان الفواكه و النعيم و الجواري المزينات و الدواب المسرجات و الثياب الملونات و هذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري

قال المؤلف رحمه الله: على هذا تدل أقوال المفسرين: روي عن ابن عباس نضاختان: أي فوارتان بالماء و النضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء و عنه أيضا أن المعنى نضاختان بالخير و البركة قاله الحسن و مجاهد و عن ابن عباس أيضا و ابن مسعود: تنضخ على أولياء بالمسك و الكافور و العنبر في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر و قال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه و الماء

و قوله: فيهما { فاكهة و نخل و رمان } قال بعض العلماء: ليس الرمان و النخل من الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه و هذا ظاهر الكلام و قال الجمهور: هما من الفواكه و إنما أعاد ذكر النخل و الرمان لفضلهما على الفواكه كقوله تعالى { حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى } و قوله { من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال } و قيل إنما كررهما لأن النخل و الرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا لأن النخل عامة قوتهم و الرمان كالثمرات فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليها و كانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها و إنما ذكر الفواكه ثم ذكر النخل و الرمان لعمومها و كثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاهما من بلاد اليمين فأخرجهما في الذكر من الفواكه و أفرد الفواكه على حدتها

و قوله: { فيهن خيرات حسان } يعني النساء و الواحدة خيرة قاله الترمذي: الخيرة ما اختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره و اختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين ثم قال حسان فوصفهن بالحسن فإذا وصف خالق الشيء شيئا بالحسن فمن ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن ؟ فانظر ما هنالك و في الأوليين ذكر بأنهن قاصرات الطرف و كأنهن الياقوت و المرجان فانظركم بين الخيرة و هي مختارة الله و بين قاصرات الطرف ؟ ثم قال { حور مقصورات في الخيام } و قال في الأوليين: { فيهن قاصرات الطرف } قصران طرفهن على الأزواج و لم يذكر أنهن مقصورات: فدل على أن المقصورات أعلى و أفضل

و قد بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلا و ليس لها باب حتى إذا حل ولى الله بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة و الخدم لم تأخذها و هي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين و الله أعلم

ثم قال: { متكئين على رفرف خضر } اختلف في الرفرف ما هو ؟ فقيل: كسر الخباء و جوانب الدرع و ما تدلى منها الواحدة رفرفة و قيل: الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به و أهوى به كالمرجاج يمينا و شمالا و رفعا و خفضا يتلذذ به مع أنيسته و اشتقاقه على هذا من رف يرف إذا ارتفع و منه رفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء و ربما سمي الظليم رفرفا بذلك لأنه يرف بجناحيه ثم يعدو و رفرف الطائر أيضا إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه

قال الترمذي الحكيم: فالرفرف أعظم خطرا من العرش و ذكر في الأوليين: { متكئين على فرش بطائنها من إستبرق } و قال هنا { متكئين على رفرف خضر } فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به أي طار هكذا و هكذا حيث ما يريد كالمرجاح

و روي لنا [ حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل و طار به إلى سند العرش فذكر أنه طار بي و يخفضني و يرفعني حتى وقف بي على ربي ثم لما حان الأنصراف تناوله فطار به خفضا و رفعا يهوي به حتى أدله إلى حبريل صلوات الله عليهما ] و جبريل يبكي و يرفع صوته بالتحميد و الرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو و القربة كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء صلوات الله عليهم مخصوصة بذلك في أرضه فهذا الرفرف الذي سخره الله لأجل الجنتين الدانيتين هو متكأهما و فرشهما يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار و شطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان

ثم قال: { و عبقري حسان } و العبقري: ثياب منقوشة تبسط فإذا قال خالق النقوش: إنها حسان فما ظنك بتلك العباقر و العبقري: قرية من ناحية اليمن فيما بلغنا ينسج فيها بسط منقوشة فذكر الله ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان و الرفرف الخضر إنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هنا فبان تفاوت هاتين الجنتين

و قد روي عن بعض السلف: فإذا هو يشير إلى أن هاتين الجنتين من دونهما أي أسفل منهما وادون: فكيف يكون مع هذه الصفة أدون فحسبته لم يفهم الصفة ذكره في الأصل التاسع و الثمانين من كتاب: نوادر الأصول

فصل: لما قال الله تعالى سبحانه و تعالى { و لمن خاف مقام ربه جنتان } ثم قال: { و من دونهما جنتان } دل على أن الجنان أربع لا سبع على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت