فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 295

مسلم [ عن أبي هريرة عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إن الرجل ليعمل الزمان الطويل يعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار و إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة ]

و في البخاري [ عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إن العبد ليعمل عمل أهل النار و إنه من أهل الجنة و يعمل عمل أهل الجنة و إنه من أهل النار و إنما الأعمال بالخواتيم ]

قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن سوء الخاتمة ـ أعاذنا الله منها ـ لا تكون لمن استقام ظاهره و صلح باطنه ما سمع بهذا و لا علم به ـ الحمد لله ـ و إنما تكون لمن كان له فساد في العقل أو إصرار على الكبائر و إقدام على العظائم فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة و يختطفه عند تلك الدهشة و العياذ بالله ثم العياذ بالله أو يكون ممن كان مستقيما ثم يتغير عن حاله و يخرج عن سننه و يأخذ في طريقه فيكون ذلك سببا لسوء خاتمه و شؤم عاقبته كإبليس الذي عبد الله فيما يروى ثمانين ألف سنة و بلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض و اتباع هواه و برصيصا العابد الذي قال الله في حقه { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر }

و يروى: أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجدا للأذان و الصلاة و عليه بهاء العبادة و أنوار الطاعة فرقي يوما المنارة على عادته للأذان و كان تحت المنارة دار لنصراني ذمي فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها و ترك الأذان و نزل إليها و دخل الدار فقالت له: ما شأنك ما تريد ؟ فقال: أنت أريد قالت: لماذا ؟ قال لها: قد سلبت لبي و أخذت بمجامع قلبي قالت: لا أجيبك إلى ريبة قال لها: أتزوجك قالت له: أنت مسلم و أنا نصرانية و أبي لا يزوجني منك قال لها: أتنصر قالت: إن فعلت أفعل فتنصر ليتزوجها و أقام معها في الدار فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات فلا هو بدينه و لا هو بها فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة و سوء الخاتمة

و يروى أن رجلا علق بشخص و أحبه فتمنع عنه و اشتد نفاره فاشتد كلف البائس إلى أن لزم الفراش فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعود فأخبر بذلك ففرح و اشتد فرحه و سروره و انجلى عنه بعض ما كان يجده فلما كان في بعض الطريق رجع و قال: و الله لا أدخل مداخل الريب و لا أعرض بنفسي لمواقع التهم فأخبر بذلك البائس المسكين فسقط في يده و رجع إلى أسوأ ما كان به و بدت علامات الموت و أمارته عليه

قال الراوي: فسمعته يقول و هو في تلك الحال:

( سلام يا راحة العليل ... و برد ذل الدنف النحيل )

( رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل )

قال: فقلت له: يا فلان اتق الله تعالى فقال: قد كان ما كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه فنعوذ بالله من سوء العاقبة و شؤم الخاتمة

قال المؤلف رحمه الله: [ روى البخاري عن سالم عن عبد الله قال: كان كثيرا ما كان النبي يحلف: لا و مقلب القلوب ] و معناه يصرفها أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول و الرد و الإرادة و الكراهية و غير ذلك من الأوصاف و في التنزيل { و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه } قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء و عقله حتى لا يدري ما يصنع بيانه: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل و اختار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم و أنه يحول بينهم و بينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز و جل

و قالت عائشة رضي الله عنها: [ كان النبي صلى الله عليه و سلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى ؟ قال: و ما يؤمنني يا عائشة و قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الجبار إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلب ]

قال العلماء: و إذا كانت الهداية إلى الله مصروفة و الإستقامة على مشيته موقوفة و العاقبة مغيبة و الإرادة غير مغالبة فلا تعجب بإيمانك و عملك و صلاتك و صومك و جميع قربك فإن ذلك و إن كان من كسبك فإنه من خلق ربك و فضله الدار عليك و خيره فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخر بمتاع غيره و ربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير فكم من روضة أمست و زهرها يانع عميم فأصبحت و زهرها يابس هشيم إذ هبت عليها الريح العقيم كذلك العبد يمسي و قلبه بطاعة الله مشرق سليم فيصبح و هو بمعصية مظلم سقيم ذلك فعل العزيز الحكيم الخلاق العليم

روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال: [ اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقت امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضت إلى امرأة وضيئة أي جميلة عندها غلام و باطية خمر فقالت: إني و الله ما دعوتك للشهادة و لكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام قال فاسقني من هذه الخمر ؟ فسقته كأسا قال: زيدوني فلم يزل يشرب حتى وقع عليها و قتل الغلام فاجتنبوا الخمر فإنه و الله لا يجتمع الإيمان و إدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ]

و يروى أن رجلا أسيرا مسلما و كان حافظا للقرآن خص بخدمة راهبين فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته فأسلم الرهبان و تنصر المسلم و قيل له: ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه قال: لا أرجع إليه أبدا فقتل و في الخبر قصته و الحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل الله السلامة و الممات على الشهادة

و أنشد بعضهم:

( قد جرت الأقلام في ذي الورى ... بالختم من أمر الحكيم العليم )

( فمن سعيد و شقي و من ... مثر من المال و عار عديم )

( و من عزيز رأسه في السها ... و من ذليل وجهه في التخوم )

( و من صحيح شيدت أركانه ... و آخر واهي المباني سقيم )

( كل على منهاجه سالك ... ذلك تقدير العزيز العليم )

و قال الربيع: سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول:

( ما شئت كان و إن لم أشأ ... و ما شئت إن لم تشأ لم يكن )

( خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى و المسن )

( على ذا مننت و هذا خذلت ... و هذا أغنت و ذا لم تعن )

( فمنهم شقي و منهم سعيد ... و منهم قبيح و منهم حسن )

( و منهم غني و منهم فقير ... و كل بأعماله مرتهن )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت