فهرس الكتاب
562/ 2552 - قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدٌ، قال: حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ
[1] ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ:
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي. وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» .
إنَّما مَنَعَ النبيُّ [2] صلى الله عليه وسلم أن يقال [3] : أَطْعِمْ رَبَّك، اسْق رَبَّكَ؛ لأنَّ الإنسانَ مَرْبُوبٌ مُتَعَبَّدٌ بإخلاصِ التَّوحِيد للهِ [4] عزَّ وجلَّ، وتَرْكِ الإشراكِ معه، فكَرِه له المُضَاهَاة بالاسم؛ لئلاَّ يَدْخُلَ
ص 419
في معنى الشِّركِ، والحُرُّ والعَبْدُ في هذا بمنزلةٍ واحدةٍ، فأمَّا مَالاَ تَعَبُّدَ عليه [5] من سائر الحيوانِ [6] والجَمادِ فلا بأسَ بإطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة، كقولك: رَبُّ الدَّابَّة، ورَبُّ الدَّار [7] والثَّوبِ [8] ونحوها.
ولم يَمْنَعِ العَبْدَ أن يقولَ: سَيِّدي ومولاي؛ لأنَّ مَرْجِعَ السِّيادة [9] إلى معنى الرِّئاسَةِ [10] على مَنْ تحت يَدِهِ، والسِّياسَةِ [11] له، وحُسْنِ التَّدْبِيرِ لأمْرِهِ، ولذلك سُمِّيَ الزَّوْجُ سَيِّدًا، قال اللهُ عَزَّ وجلَّ: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف:] .
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحسن بن عليٍّ: «إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وسَيُصْلحُ اللهُ بِهِ [12] بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمتين» [13] ، وكان ما جَرَى منه رضوان الله عليه في ذلك المقام حُسْنَ تَدْبِير ونَظَرَ سِيَاسَةٍ، وإنْ كان أَحَقَّ بالأَمْر وأولى به.
وقد قال بعضُ أهل اللغة: إنَّما سُمِّيَ السَّيِّدُ سَيِّدًا؛ لأنَّه يَمْلكُ السَّواد الأَعظَمِ. أو يَليهم. أو كما قال من هذا النحو.
وأمَّا المَوْلَى فكثيرُ التَّصَرُّفِ في الوُجُوهِ المختلفة مِنْ وليٍّ، ونَاصِرٍ، وابن عَمٍّ، وحَليفٍ، ومُعْتقٍ [14] ، وجماعُ ذلك كُلِّه في معنى الاشتقاق وِلايِةُ أمْرٍ [15] وإصْلاَحُه، فلم [16] يَمْنَعْ أن [17] يُوصف بها الإنسان ويُضَافَ إليها، ولكن لا يُقالُ: السَّيِّدُ؛ على الإطلاق، ولا المَوْلَى؛ من غير إضافةٍ إلَّا في صفة اللهِ عزَّ وجلَّ.
وكذلك العَبْدُ يُكْرَهُ لمالِك الرَّقَبة أن يقول: عَبْدِي؛ لأنَّ هذا الاسمَ من باب المَضَافِ، ومُقْتَضَاهُ العُبُودِيَّة له، وصاحبُه الذي هو مالكُه عَبْدُ اللهِ، مُتعَبَّدٌ بأمرِهِ ونَهْيهِ، فإدْخالِ مَمْلُوكِهِ تحت هذا الاسم يُوهم الشِّرْكَ، ويُوجِبُ معنى المُضَاهَاةِ، فلذلك اسْتُحِبَّ له أن يقولَ [18] : فَتَاي، وفَتَاتي، ونحو ذلك من القول.
والمعنى في ذلك كُلِّه رَاجِعٌ إلى البراءة من الكِبْرِ، والتزام الذُلِّ والخُشُوعِ [19] ، وهو الذي يَليقُ بِسِمَةِ العَبيد [20] ، وبصفاتِ المَرْبُوبين، لا يَحْسُن بَعْبد [21] أن يقول: فُلاَنٌ عَبْدِي؛ وإنْ كان قد مَلَكَ قِيَادَهُ في الاسْتِخْدام له، والاسْتخذاء [22] لطاعته [23] امِتِحَانًا وابتلاءً [24] من الله لخَلْقه، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: ] .
وقد رَوى أبو عبد الله
ص 420
على أَثَرِ [25] هذا الحديث حدَّيثًا حَسَنًا، ذَكَرْتُه ليكونَ من قارئ هذا الكتاب على بَالٍ.
[1] قوله (قال أخبرنا معمر) سقط من (ط) .
[2] قوله: (النبي) زيادة من (ط) وفي (م) (رسول الله) .
[3] (أن يقال) سقطت من (ط) .
[4] في (م) : (فيه) بدل: (لله) .
[5] (عليه) سقطت من (ط) .
[6] في (أ) : (الحيوانات) .
[7] في (ط) : (رب الدار ورب الدابة) .
[8] في (ف) : (ورب الثوب) .
[9] في (م) : (السادة) .
[10] في (أ) : (إلى الرياسة معنى) .
[11] في (م) : (والسيادة) .
[12] (به) سقطت من (ط) .
[13] انظر: البخاري رقم (2704) ، عن أبي بكرة.
[14] في (أ) : (ومعين) .
[15] في (أ) : (أمره) .
[16] في (ط) : (فلا) .
[17] في (م) : (بأن) .
[18] في (ف) : (أن يقال) .
[19] في الفروع: (الخشوع لله عز وجل) .
[20] في (ط) : (العبد) .
[21] في (ف) : (لعبد) .
[22] (الاستخذاء) ، بمعنى الخُضُوع. (التاج _ خذ أ، وخذا_)
[23] (لطاعته) سقطت من (ط) .
[24] في (م) : (ابتلاءً وامتحانًا) .
[25] (على أثر) سقطت من (ف) .