فهرس الكتاب

الصفحة 1530 من 2203

831/ 4330 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ

[1] ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَىَ، عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ: لَمَّا قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ يوم حنين [2] ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا؛ إِذْ لَمْ [3] يُصِبْهُمْ ما أَصابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقالَ: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَداكُمُ اللهُ؟! وَمُتَفَرِّقِيْنَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ؟! وَعالَةً فَأَغْناكُمُ اللهُ بِي [4] ؟!» . كُلَّما قالَ شَيْئًا قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. ثمَّ قال: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصارِ [5] وَشِعْبَها [6] ، الأَنْصارُ شِعارٌ والنَّاسُ دِثارٌ» .

قوله: (عَالَة) يُريدُ: فَقراء، يقال: رجُلٌ عائلٌ؛ وهو الفقير، وقومٌ عَالَةٌ. وعالَ الرجلُ يعيل؛ إذا افْتَقَر. وعَالَ يَعُولُ؛ إذا جَارَ، وأَعَالَ يُعيلُ [7] ؛ إذا كَثُرَ عِيَالُه.

وأمَّا قوله: (لَولاَ الهِجْرَةُ لكنتُ امْرأً من الأنصار) فإنَّه قد سَأَلَ عنه سائل فقال: ما معنى هذا الكلام وَوَجْهُه [8] ؟ وكيف كان

ص 579

يجوزُ عليه [9] أن يَنْتَقِلَ عَمَّنْ هو منهم فَيُدْعَى إلى [10] الأنصارِ، ونَسَبُه غيرُ نَسَبِهم، ودَارُ مولدِهِ ومَنْشئهِ غيرُ دَارهم، والانتقالُ عن الأنساب محظورٌ، غيرُ جائز بحال؟

ومعنى هذا عندي أنَّه إنَّما أرادَ به تَأَلُّفَ الأنصار واسْتِطابَةَ نُفُوسِهم [11] ، والثَّنَاءَ عليهم في دينهم ومَذْهَبِهم، حتَّى رَضِيَ أن يكونَ واحدًا منهم لولاَ ما يمنعُه [12] من سِمَةِ الهجرة، التي لا يجوز تبديلها في حَقِّ الدِّين، ولا يَسَعُه العَوُد فيها، إذْ [13] كان عليه التَّمسُّك بها واجبًا، والنَّسبةُ إليها واجبةٌ لازمةٌ.

والأنسابُ على وجُوهٍ: نَسبٌ وِلادِيٌّ، ونسبُ بِلاديٌّ، ونسبٌ من جهة الدِّين اعتقاديٌّ، ونسبٌ صِناعيٌّ.

فيقالُ في نسبة الوِلاديِّ [14] : سَلْمِيٌّ وأَسَدِيٌّ، وفي البلاديِّ [15] : كُوفيٌّ ومصريٌّ [16] . وإلى [17] الأديان [18] والمذاهب: سُنِّيٌّ وقَدَرِيٌّ، وفي مِلَلِ الكفر: يَهوديٌّ ونَصرانيٌّ، وإلى الصناعات والمِهن: صَيْدانيٌّ [19] وصَيْرَفيٌّ.

ومَعْقُولٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُرِدْ به الانتقال عن نَسَبِ آبائه [20] إليهم [21] ، إذْ [22] كان ذلك أمرًا [23] لا يجوز في دينه وشريعته، ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم كان أفضلَ منهم نَسَبًا، وأكرَمهم أَصْلًا ومَحْتِدًا [24] .

وأما الدِّينُ والمذهبُ فلأنَّه [25] لا موضعَ [26] فيه للانتقالِ، إذ كان دينُه ودِينُهم واحدًا، وهو صلى الله عليه وسلم نَبِيُّ الأُمَّة، وَوَلِيُّ الدَّعْوة، والمهاجرون والأنصارُ تَبَعٌ له في ذلك.

فلم يبق إلَّا قسمان: وهما نَسبُ البلادِ والأوطان، ونَسبُ الصِّناعة والامْتِهان، وقد يجوز في كلِّ واحدٍ من الأمرين أن ينتقلَ منه إلى غيرِهِ، وكانت المدينة دارًا للأنصار [27] ، وكانت الهجرةُ إليها أمرًا واجبًا، وانتقالُه [28] إليها طَاعةٌ وعِبادةٌ، ولولا أنَّه كان مأمورًا بها، ومحمولًا عليها لم يكن ليتركَ بلادَه ويُفارِقَ أوطانَه [29] ، فقد يَحتملُ أن يكونَ أرادَ بهذا القول: لولا أنَّ هذه النسبةَ في الهجرةِ نسبةٌ دينيَّةٌ، لا يَسَعُني [30] تَرْكُها لاَنْتَقلْتُ [31] عن هذا الاسمِ إليكم، ولانْتَسَبْتُ إلى داركم. [32] وأنَّ نَزِيلَ بلدٍ من البلدان

ص 580

قد ينتسبُ [33] إليه إذا طَالَ [34] مُقَامُه فيه، ويتعرَّفُ إلى الناسِ به، وقد جرت به [35] العادةُ في قديم الدَّهر وحديثه [36] .

أخبرنا ابنُ داسة، قال: حدَّثنا ابنُ أبي قُماش، قال: سمعت ابنَ عائشة [37] يقول: قال المُعْتَمِرُ بنُ سليمان، قلت لأبي: تكتبُ التَّيْميَّ، ولستَ بتَيْميٍّ. قال: تَيْمِيُّ الدَّار [38] . وسمعتُ ابنَ عائشة [39] يقول: كان جعفرُ بنُ سليمان الضُّبَعيُّ لم يكن من ضُبَعَة [40] ، كان نزيلًا فيهم. [41]

فأمَّا استحداثُ [42] الأنساب [43] والألقاب بالصِّناعاتِ والمهن فالأمر في ذلك أوسعُ من ذَاك [44] .

أخبرنا ابن الإعرابيِّ، قال: حدَّثنا عبَّاسُ [45] بن محمَّد الدُّوريُّ، عن يحيى بن مَعِين، قال: عيسى بن أبي عيسى [46] الذي يروي عن الشعْبيِّ يقالُ له: الخَيَّاطُ والحَنَّاطُ والخَبَّاط [47] ، كان كُوفيًّا، نزل المدينة وكان خَيَّاطًا، ثمَّ تركَ ذلك، وصارَ حَنَّاطًا، ثمَّ تركَ ذلك [48] ثمَّ صار [49] يبيعُ الخَبَطَ.

وفيه وجهٌ آخر: وهو أنَّ العربَ كانت تُعَظِّمُ شَأنَ الخُؤُولة، وتَكادُ [50] تُلْحِقُها بالعُمومَة [51] ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ابنُ أُخْتِ القومِ منهم» [52] . وأنشدني أبو عمر [53] :

~عليكَ الخالَ إنَّ الخالَ يَسْرِي إلى ابن الأُخْتِ بالشَّبَهِ المُبِينِ [54]

وكانت أمُّ عبد المطَّلب امرأةً من بني النجَّار، ولذلك [55] قالتِ الأنصارُ حين أَسَرُوا العبَّاسَ يومَ بدر: لا نُطالِبُ ابنَ أخْتِنا بالفداء. فقال [56] صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُخَفِّفُوا عنه درهمًا» [57] . فقد يَحتمل أن [58] يكونَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ هذا المذهب إنْ كان أرادَ به نسبَ [59] الولادة، والله أعلم.

وقوله: (لو سلكَ الأنصارُ واديًا أو شِعْبًا لسَلَكْتُ وادِيَ الأنصار [60] وشِعْبَهم) فإنَّ العادة قد جرت بأن يكونَ المرءُ مع قومه وقبيلته في رحلته [61] ونُزُوله، وأرضُ الحجاز كثيرة الأودية والشِّعاب، فإذا تفرَّقت بالسَّفْر الطُّرقُ [62] سلك [63] كلُّ فريقٍ منهم واديًا أوْ شِعْبًا، فكان [64] كلُ واحدٍ منهم مع قومه إلى أن يُفْضيَ بهم إلى الجادَّة، فيجتمعوا فيها.

وفيه وجه

ص 581

آخَرُ: وهو أن يكون أراد بالوادي الرأيَ والمَذْهب، كما يقال: فلانٌ في وَادٍ وأنَا في وَادٍ. وعلى هذا يتأوَّلُ قولُ اللهِ عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225]

[1] في (م) : (وهب) .

[2] في (ر) : (خيبر) .

[3] في (ر) و (ف) و (م) : (وجدوا ولم) .

[4] (بي) سقطت من (ط) و (م) .

[5] قوله: (أو شعبًا لسلكت واد الأنصار) تكرر في (م) .

[6] في الفروع: (وشعبهم) .

[7] قوله: (وهو الفقير ... وأعال يعيل) سقط من (ط) .

[8] في الفروع: (وما وجهه) .

[9] قوله: (عليه) زيادة من (ط) .

[10] (إلى) سقطت من (أ) .

[11] في عمدة القاري (14/ 322) ، نقلًا عن الخطابي: (وتَطْييبَ قلوبهم)

[12] زاد في (أ) : (عنهم) وفي (ر) و (ف) و (م) : (عنه) .

[13] في (ط) و (ف) : (إذا) .

[14] في (أ) و (م) : (نسب الولادة) وفي (ر) و (ف) : (نسبة الولادة) .

[15] في (ر) (وف) : (البلاد) .

[16] في (ف:(وبصري) .

[17] في (ف) : (وفي) .

[18] في (أ) : (الروايات) .

[19] في (أ) : (صيدناني) وفي (م) : (صيدلاني) .

[20] في (ط) : (بائه آبائه) .

[21] في (ف) : (إليه) .

[22] في (ط) : (إذا) .

[23] في (أ) : (الأمر) .

[24] (المَحْتد) : الأصل. يقال: إنَّه لكريم المَحْتد. (التاج) _حتد_)

[25] في (أ) و (ف) : (فإنه) .

[26] في (م) : (لا معنى) .

[27] في (ر) و (ف) و (م) : (دار الأنصار) .

[28] في (ط) : (والانتقال) .

[29] قوله: (ومحمولًا عليها ... أوطانه) سقط من (أ) .

[30] في (ف) : (لا يستغنى) .

[31] في (ر) : (لانقلبت) وفي (ف) : (لانقلب) .

[32] انظر: عمدة القاري (14/ 322) ، نقلًا عن الخطابي

[33] في (ط) والفروع: (ينسب) .

[34] في (م) : (كان) .

[35] في (أ) : (هذه) .

[36] في (أ) : (وفي حديثه) .

[37] (عائشة) سقطت من (ر) .

[38] انظر: غريب الحديث للخطابي: (3/ 119)

[39] في الفروع: (ابن الأعرابي) .

[40] في (أ) : (لم يكن ضبعي) ، وفي (ر) و (ف) : (لم يكن من ضبيعة) .

[41] المصدر نفسه: (3/ 119)

[42] في (ر) و (ف) : (استحباب) .

[43] في (ف) : (الأسباب) .

[44] في (ر) و (ف) و (م) : (ذلك) .

[45] في (ط) : (ابن عباس) .

[46] في (ط) و (ف) : (عيسى بن عيسى) .

[47] (الخباط) سقطت من (أ) و (ف) وسقط من (ر) : (الحناط والخباط) .

[48] قوله: (وصار حناطًا ثم ترك ذلك) سقط من (ر) .

[49] في (ط) : (حتى صار) .

[50] في (ر) و (ف) : (وكاد) .

[51] في (أ) : (إلى العمومة) .

[52] انظر البخاري رقم (3528) ، عن أنس رضي الله عنه

[53] في (ر) و (ف) و (م) : (أبو عمرو) .

[54] لم أعثر عليه

[55] في (ر) و (ف) : (وكذلك) .

[56] زاد في (م) : (النبي) .

[57] انظر: البخاري رقم (3048) ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه

[58] (يحتمل أن) سقطت من (أ) .

[59] في عمدة القاري، (14/ 323) : (نسبة) بالمربوطة، نقلًا عن الخطابي (جذيمة) بطن من كنانة (الروض الأنف(2/ 284)

[60] في (م) : (واديهم) .

[61] في (ف) : (رحله) .

[62] في (ط) : (الطريق) .

[63] في (م) : (وسلكا) .

[64] (فكان) تكررت في (ط) وسقطت من (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت