168/ 729 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُحَمَّدٌ: أخبَرَنا عَبْدَةُ، عن يَحْيَىَ ابنِ سَعِيدٍ الأَنْصارِيِّ، عن عَمْرَةَ:
عن عائشة، قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، فَقامَ
[1] أُناسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، حَتَّىَ إذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الناس [2] ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، فقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاةُ اللَّيْلِ» .
وقد يقال [3] على هذا: كيف كان يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل وقد [4] أكمل الله الفرائض ورد عدد الخمسين منها إلى الخمس، فكيف كان يجوز دخول الزيادة عليها؟
قيل: إنَّ صلاةَ الليل كانت مكتوبة على النبيِّ [5] صلى الله عليه وسلم واجبةً، وأفعاله التي تَتَّصل بالشريعة واجبٌ [6] على الأمَّة الائتِساءُ [7] به فيها، وكان أصحابهُ إذا رَأوه يُواظب على فِعلٍ في وقتٍ معلومٍ من اللَّيل أو النهار حتَّى يتكَرَّر ذلك منه يقتدون به، ويَرَونَه واجبًا، فترك صلى الله عليه وسلم الخُروج إليهم في الليلة الرابعة، وتركَ الصَّلاة فيها [8] ؛ لئلَّا يَدخلَ ذلك الفِعلُ منه في حدِّ الواجبات المكتوبة
ص 151
عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به.
والزِّيادة إنَّما يَتَّصل وُجُوبها عليهم من جهة وُجُوب الاقتداء بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا من جهة إنشاء فرضٍ مُستأنَفٍ زائدٍ على الخمس، وهذا كما يُوجبُ الرَّجلُ على نفسه صلاة نَذْرٍ [9] فتجب عليه، ولا يَدُلُّ ذلك على زيادة فرض في [10] جُملة الشَّرع المفروض في الأصل.
وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الله سبحانه فرض الصلاة أوَّل ما فرضها خمسين، ثمَّ [11] إنَّه شَفَّعَ رسوله صلى الله عليه وسلم فَحَطَّ مُعظمها، وجعل عَزائمها [12] خمسًا؛ تخفيفًا عن أمَّته من أجل شفاعته ومسألته، فإذا عادت الأُمَّة فيما استُوهبت، والتزمَت ما كانت اسْتَعفت [13] منه، وتبرَّعت [14] بالعمل به لم يُستنكر أن يَثبت فرضًا عليهم، وقد ذكر الله سبحانه عن فريق من النصارى أنَّهم ابتدعوا [15] رَهبانيَّةً ونُسكًا ما كتبها اللهُ عليهم، ثمَّ لمَّا قصَّروا فيها لحقتهم اللائمة في قوله: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] ، فأشفق [16] صلى الله عليه وسلم أن يكون سَبيلُهم سبيلَ أولئك، فقطع العمل به تخفيفًا عن [17] أُمَّته، والله أعلم [18] .
[1] في (ط) : (فيام) .
[2] (الناس) سقطت من (ر) .
[3] في (أ) و (ر) و (ف) : (فإن قيل) .
[4] قوله: (يقال على هذا .... الليل وقد) زيادة من (ط) .
[5] في (ر) : (عليه) .
[6] في (ط) و (ر) : (واجبة) بالمربوطة.
[7] في النسخ الفروع: (الاقتداء) .
[8] في النسخ الفروع: (لتلك الصلاة) مكان (وترك الصلاة فيها) .
[9] في (ط) : (بدر) .
[10] قوله: (فرض في) زيادة من النسخ الفروع.
[11] (ثم) سقطت من (ط) .
[12] في (ر) : (عوائضها) .
[13] في (م) : (أشفقت) .
[14] في (ط) : (ثم تبرعت) وفي الفروع (متبرعة) .
[15] في (ط) : (ابتدعت) .
[16] في النسخ الفروع: (فخشي) .
[17] في النسخ الفروع: (شفقًا على) .
[18] (والله أعلم) ليست في (ط) .