فهرس الكتاب
185/ 806 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا أبو اليَمانِ: أخبَرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، أخبَرني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَعَطاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ:
أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ أخبَرهما: أَنَّ النّاسَ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَىَ
ص 162
رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تَُمارَونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ؟» قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَهَلْ تُمارونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ؟» قالُوا: لا. قَالَ
[1] : «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّواغِيتَ، وَتَبْقَىَ هَذِهِ الأُمَّةُ فيها مُنافِقُوها، فَيَأتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذا مَكانُنا حَتَّىَ يَأتِيَنا رَبُّنا، فَإِذا جاءَ رَبُّنا [2] عَرَفْناهُ. فَيَأتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: [3] أَنْتَ رَبُّنا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ يَوْمَئذٍ [4] إلَّا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ [5] . وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلَّا اللهُ، تَخْطَِفُ النّاسَ بِأَعْمالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّىَ إذا أَرادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ [6] قَدِ امْتَُحَِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ ماءُ الحَياةِ [7] ، فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قال: ويبقى رَجُلٌ بين الجنَّة والنَّار، وهو آخِرُ أهل النَّار دُخُولًا الجَنَّة، مُقْبِلٌ بوجهه قِبَلَ النَّارِ، فيقول: يَا رَبُّ اصْرِفْ [8] وَجْهيَ عن النَّار، قد قشبَني ريحُها، وأحرقني ذَكاؤُها [9] » . وساق الحديث.
قوله: (هل تُمارُون) من المِرْيَة، وهي الشَّكُّ [10] في الشيء والاختلاف فيه، وأصله: تَتَمارُون، فأسْقَط إحدى التاءين.
وأمَّا قوله: (فَيَأْتِيهَم اللهُ) إلى تمام الفَصْل، فإنَّ هذا مَوْضِعٌ يحتاج فيه الكلامُ إلى تأويل وتَخْريجٍ، وليس ذلك من أَجْل أنَّا نُنْكِرُ رُؤيةَ اللَّه تعالى، بَلْ نُثْبِتُها، ولا مِنْ أَجْل أنَّا نَدْفَع بما [11] جاء في الكتاب، وفي أخبارِ الرسول صلى الله عليه وسلم من ذِكْرِ المَجيء والإتيان، كقوله
ص 163
عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] . وكقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 210] ، وما أَشْبَهَهُما من الآي [12] ، غيرَ أنَّا لا نُكَيِّفُ [13] ذلك، ولا نَجعَلُه حَرَكَةً وانْتِقالًا، كمجيء [14] الأشخاص وإتيانها، فإنَّ ذلك من نُعُوتِ الحَدَث، وتعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا.
ويَجبُ أن يُعْلَمَ أنَّ الرُّؤْيَةَ التي هي ثوابُ الأولياء وكرامَةٌ لهم [15] في الجَنَّةِ غيرُ هذه الرُّؤْيَة المذكورة في مقامهم يوم القيامة؛ لأنَّ في خبر صُهَيْبٍ [16] أنَّ أهلَ الجنَّةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّة نَادَى منادٍ: أَلا إنَّ لكم عند اللهِ موعدًا؟ فيقولون: ألم يُبَيِّضْ وُجُوهنا، ألم يُنَجِّنَا من النار، ألم يُدْخِلْنا الجَنَّة، فَيَتَجَلَّى لهم الرَّبُ [17] تبارك وتعالى فَيَرَوْنه. الحديث [18] .
وإنَّما تَعْرِيضُهم [19] لهذه [20] الرؤية امتحانٌ من الله عز وجل لهم، يَقَعُ به التَّمييزُ بين مَنْ عَبَدَ اللَّه تعالى، وبين مَنْ عَبَدَ الشَّمسَ والقَمرَ والطواغيتَ، فَيَتَّبعُ كُلٌّ من الفريقين مَعْبُودَه، وليسُ يُنكَرُ أن يكونَ الامتحانُ إذْ ذاك بعد قائمًا، وحُكْمهُ على الخَلْقِ جاريًا، حتَّى يَفْرَغَ من الحِساب، ويَقَعَ الجزاءُ بما يَسْتَحقُّونه من الثَّواب والعِقاب، ثمَّ يَنْقَطع إذا حُقَّت الحقائق، واسْتَقَرَّتْ [21] أُمورُ العبادِ قَرَارَتها [22] ؛ ألا ترى [23] قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] ، فامْتُحِنْوا هناك بالسُّجُود، وجاء في الحديث [24] : «إنَّ المؤمنين يَسْجدون وتبقى ظُهُورُ المنافقين طَبقًا واحدًا» [25] .
وتَخْرِيجُ [26] معنى إتيانِ اللهِ في هذا إيَّاهم [27] : أنَّه يُشْهِدُهم رُؤيَتَه ليُثْبِتُوه، فتكون معرفتُهم له في الآخرة عِيانًا، كما كان اعترافُهم بربُوبيَّتهِ في الدنيا عِلْمًا واسْتِدْلالًا، ويكونُ طُروءُ الرُّؤْية بعد أن لم تكن بمنزلة إتيان الآتي من حيثُ لم يَكونُوا شاهدوه فيه
ص 164
قَبْل [28] .
ويُشْبِهُ [29] أن يكون _والله أعلم_ إنَّما حَجَبَهم عن تحقيق الرُّؤْية [30] في الكَرَّة الأولى حتَّى قالوا: هذا مكاننا حتَّى يَأْتِينا رَبُّنَا؛ من أجل مَنْ معهم من المنافقين الذين لا يَسْتَحِقُّون الرُّؤْيةَ، وهم عن ربِّهم مَحْجُبون، فلمَّا تَمَيَّزُوا عنهم ارتفعَ الحُجُبُ [31] فقالوا عندما رَأَوْه [32] : أنت رَبُّنا.
وقد يحتمل أن يكون ذلك قَولَ المنافقين دُونَ المؤمنين، وهذا وإن لم يكن مَذْكُورًا في الحديث فالمعنى يُرْشِدُ إليه، والفَحْوَى يَدُلُّ عليه.
وقد يُسْتَدَلُّ على المراد بسياق الكلام وبِمُقَدِّماته وبِفَحْواه، كما يُسْتَدَلُّ بصريح الاسم وبَيَان اللَّفْظ، وكُلُّ وَقْتٍ وزَمان أوْ حَالٍ أَوْ مقامٍ حُكْمُ الامتحان فيه قائمٌ، فَلِلاْجْتهادِ والاسْتِدلالِ فيه مَدْخَلٌ.
وقد قال ابراهيم صَلوات الله عليه حين رأى الكوكب: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] ثمَّ تَبَيَّن فَسَادُ هذا القول لمَّا رأى القَمرَ أكبرَ جِرْمًا، وأَبْهَرَ نُورًا، فلمَّا رأى الشَّمْسَ، وهي أعلاها في منظر العين وأَجْلاها للبَصَر، وأكثرها ضياءً وشُعَاعًا قال: {هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ} [الأنعام: 78] فلمَّا رأى أُفُولها وزِيَالها، وتَبَيَّن أنَّها مَحلٌّ للحَوادِث والتَّغْييرات تَبَرَّأ منها كُلَّها، وانْقَطَعَ عنها إلى رَبٍّ هو خالقُها ومُنْشِئُها، لا تعترضُه الآفاتُ، ولا تحلُّه الأعْراضُ والتَّغْييرات.
وقد رَوَى الإمام أبو عبد الله هذا الحديثَ في بعض أبواب هذا الكتاب من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ [33] بزيادةِ لَفْظَةٍ لم يَذْكُرْها في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريِّ.
6573 - قال أبو عبد الله: حَدَّثَنا مَحْمُودٌ، قال: أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ» . قالُوا: لاَ [34] . قَالَ: «فهَلْ تُضَارُّونَ [35] فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فيها [36] سَحَابٌ» . قَالُوا: لا [37] يَا رَسُولَ اللهِ.
ص 165
قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ. فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ [38] يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشمس، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ القمر، وَيَتَّبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطواغيت [39] ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا [40] رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا [41] رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نعم، أَنْتَ رَبُّنَا وَيَتْبَعُونَهُ.» وساق الحديث.
وهذا الحديث وما يتلُوه من طريق حَفْصِ بن مَيْسَرةَ، من روايةَ الفِرَبْريِّ، ليس من رواية ابن مَعْقِل.
قلت: ورواه أيضًا من غير هذا الطريق، قال:
7439 - حَدَّثناه مُحمَّد بنُ عبد العزيز، قال: حَدَّثنا حَفْصُ بنُ مَيْسَرة، عن زيد بن أَسْلَم، عن عطاء بن يَسار:
عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، وذكر القِصَّة فقال: «إذا كان يومُ القيامة أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعَ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبدُ. فلا [42] يبقى مَنْ كان يعبدُ غَيْرَ اللهِ من الأصنام والأَنْصاب [43] إلَّا يَتَسَاقطون في النَّار، حتَّى إذا لم يَبْقَ إلَّا مَنْ كان يعبدُ اللهَ بَرٌّ أو فاجِرٌّ، وغُبَّراتُ أهل الكتاب [44] ... » وذكر الحديث إلى أن قال: «يأتيهم في أَدنى صُورةٍ من التي رَأَوْهُ فيها ... » [45] وساق بقيَّة الحديث.
قلت: أمَّا قوله: (نعوذ بالله منك) فإنَّه يُؤَكِّدُ ما تأوَّلناه في الحديث الأوَّل من أنَّه قولَ المنافقين دُونَ قولِ المؤمنين، ولَفْظُه وإن كان عامًّا فالمراد به خاصٌّ، وهو بمنزلة قوله عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} [آل عمران: 173] . فالاسمُ عامٌّ في الشِّقَّين، [46] والمُرادُ خاصٌّ فيهما.
وأَمَّا ذِكْرُ الصُّورة في هذه القِصَّة من طريق مَعْمر عن الزُّهْري، فإنَّ الذي يجبُ علينا وعلى كُلِّ مُسلمٍ أن نَعْلَمَ أنَّ رَبَّنا عز وجل ليس بذي صُورةٍ ولا هَيئةٍ، فإنَّ الصُّورة تقتضي الكَيْفيَّة، وهي عن اللهِ وعن صفاته مَنْفيَّة، وقد [47] يُتأوَّلُ معناها
ص 166
على وجهين:
أحدهما: أن تكون الصُّورةُ بمعنى الصِّفَةِ، كقول القائل: صُورةُ هذا الأمر كذا وكذا؛ يُريد: صِفَته، فَتُوضَع الصُّورةُ مَوضِعَ الصِّفَة.
والوجه الآخر: أنَّ المذكور من [48] المعبودات في أوَّل الحديث إنَّما هي [49] صُورٌ وأجسامٌ، كالشمس والقمر والطواغيت ونحوها، ثمَّ لمَّا عَطَف عليه ذِكْرَ اللهِ تعالى خرج الكلام فيه على نَوْعٍ من المُطابقة، فقيل: يأتيهم اللهُ في صُورة كذا؛ إذا كانت المذكورات قَبْلهَ صُورًا وأجسامًا، وقد يحمل آخرُ الكلام على أَوَّلِه في الَّلفْظِ، ويُعْطَفُ بأحَدِ الاسمين على الآخر، والمعنيان مُتباينان، وهو كثير في كلامهم، كالعُمرَيْن [50] ، والأسْودين [51] ، والعَصْرين [52] ، ومثله في الكلام كثير.
ومِمَّا [53] يُؤكِّدُ التأويل الأَوَّلَ، وهو أنَّ معنى الصُّورة الصِّفَة [54] قوله صلى الله عليه وسلم في رواية عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريِّ: «فيأتيهم الله في أَدنى صُورةٍ من التي رَأَوْهُ فيها» [55] . وهم لم يكونوا رَأَوْهُ قَطُّ قبل ذلك، فَعَلِمْت أنَّ المعنى في ذلك الصِّفة [56] التي عَرفُوه بها
وقد تكون الرُّؤية بمعنى العِلم كقوله عز وجل: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة: 128] أي: عَلِّمْنا. وكقول حُطائط:
~أرِيني جوادًا مَات هَزْلًا لَعَلَّني أرى مَا تَريْنَ أو بخيلًا مُخَلَّدًا [57]
أي: أَعْلَمُ ما تعلمين.
ومن الواجب في هذا الباب أن يُعْلَمَ أنَّ مثل هذه الألفاظ التي تَسْتَبْشِعُها النفوس إنَّما خرجت على سَعَةِ مجالِ كلام العرب ومَصَارفِ لغاتها، وأنَّ مَذْهَبَ كثيرٍ من الصحابة وأكثرِ الرُّواة من أهل النَّقْل الاجتهادُ في أداء المعنى دُون مُراعاة أعيان الألفاظ، وكُلٌّ منهم يَرويهِ [58] على حَسَبِ معرفته، ومقدار فَهْمه، وعَادةِ البيان من لغته، وعلى أهل العلم أن يَلْزَمُوا حُسنَ الظَّنِّ بهم [59] ، وأن يُحْسِنُوا [60] التَّأني لمعرفة معاني مَا رَوَوْه، وأن
ص 167
يُنْزِلُوا كُلَّ شيءٍ منه مَنْزِلَةَ مثله فيما يَقْتَضيه أحكام أُصُول الدِّين ومَعَانيها، على أنَّك لا تجِدُ بحمد الله ومَنِّهِ شيئًا صَحَّت به الرِّواية [61] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا وله تأويلٌ يَحتملُه وَجْهُ الكلام [62] ، ومعنىً لا يَسْتَحيل [63] في عَقْلٍ أو مَعْرفةٍ.
أخبرنا ابن [64] الأعرابيِّ، قال: حَدَّثنا محمَّدُ بنُ عبد الملك الدَّقِيقيُّ: حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون: أخبرنا مِسْعَرُ، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَريِّ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، عن عليِّ بن أبي طالب قال: إذا حُدِّثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فَظُنُّوا به الذي هو أَتْقَى، والذي هو أَهْيأ، والذي هو أَهْدَى [65] .
وأمَّا قوله: (هَلْ تَضَارُّون في الشمس؟) فمعناه: تَزَاحَمُون عند رُؤيته حتَّى يَلْحَقَكُم بتدانيكم الضَّرَرُ، ووزنه تتفاعلون، حُذِفت إحدى التاءين منها.
و (السَّعدان) : نبات له شَوكٌ، إلَّا أنَّه إلى العِرَض، والإبلُ تَرعَاه وتَسْمن عليه، ولذلك قيل: مَرْعىً ولا كالسَّعْدان [66] .
وقوله: (فمنهم مَنْ يُوبَقُ بعمله) يقال: وَبَقَ الرَّجُلُ؛ إذا هلك، يَبِقُ [67] . وأوبَقَه اللهُ؛ إذا أهلكه.
وقوله: (يُخَرْدِلُ) أي: يَقْطَع، يقال: خَرْدَلتُ اللَّحْمَ؛ إذا قَطَّعْتَه. وقَطَّعَه الأسَدُ خَراديلَ؛ إذا تركَه قِطعًا.
وقوله: (امْتَحَشُوا) معناه: احْتَرَقُوا، يقال: مَحَشَتْه [68] النَّارُ فامْتَحَش [69] .
و (الحِبَّة) مكسورة الحاء [70] : بُزورُ النبات. و (الحَبَّة) مفتوحتها [71] : واحدة الحَبِّ المأكول.
و (حَمِيلُ [72] السَّيْل) : ما يحملهُ فوقه من الغُثَاء ونحوه.
وقوله: (قشَبَني ريحُها) يقال: قَشَبَه الدُّخانُ؛ إذا امْتلأَت خياشِيمُهُ [73] من الدُّخان، ويقال: أصلُ القَشْب: السُّمُّ [74] ؛ كأنَّه يقول: صَارَ ريحُها كالسُّمِّ في أنفي [75] . ويقال: نَسرٌ قَشِيبٌ؛ لأنَّه يُصَادُ بأن يُجْعَلَ في لحمة الخِرْنِقُ، فإذا أكله سَقَط فَيُصَاد.
وقوله: (وغُبَّراتُ أهل الكتاب) يريد: بقايا منهم، يقال لِبَقيَّة الشيء:
ص 168
غُبْر [76] ، وجمعه أغبارٌ وغُبَّرٌ، ويجمع على الغُبَّرات.
وفي هذا الحديث [77] من طريق إبراهيم بن سَعْد، عن ابن شهاب [78] ، عن عَطاء ابن يزيد، عن أبي هريرة، وذكر الرجُلَ الذي سَيبقى [79] آخِرَ الناس، وأنَّه إذا قام إلى باب الجَنَّة انْفَهَقَتْ له الجَنَّةُ.
7437 - قال أبو عبد الله: حَدَّثنيه عبدُ العزيز بنُ عبد الله، قال: حَدَّثنا إبراهيم بنُ سعد [80] .
قلت: وهذا الحرفُ غيرُ مَسْمُوعٍ، وهو من جملة مَا فاتني سَمَاعُه من آخر هذا الكتاب.
وقوله: (انفهقت) يريد: انفتحت واتَّسَعت، وأَصْلُه التُّوَسُّعُ في الشيء والاسْتكثار، قال الشاعر:
~كَجَابِيَة السَّيْح [81] العِراقِيِّ تَفْهَقُ [82]
أي: تَفِيِضُ منه [83] ، ومنه الحديث: «إنَّ أَبْغَضَكم إليّ الثَّرْثَارُون المُتَفَيْهقُون» [84] . يُريدُ: المُكْثِرينَ ما لا يَعْنيهم من الكلام [85] .
[1] قوله: (قال) زيادة من (ط) .
[2] في (أ) و (م) : (فإذا جاءنا) .
[3] أقحم في (ط) هنا قوله (هذه الدنيا أنت في أصل) .
[4] في (ف) : (ولا يتكلم يومئذ أحد ذلك اليوم) .
[5] في (ر) : (اللهم سلم اللهم سلم) .
[6] في (ر) : (فيخرجوهم) .
[7] في (ف) : (من الحياة) .
[8] في النسخ الفروع إلَّا (م) : (صن) .
[9] في (ط) : (دكاوها) بالدال المهملة والواو، محرفًا
[10] في (م) : (من المرة وهي الشدة) .
[11] في (ط) : (ما) بإسقاط الباء.
[12] في (ط) : (وما أشبهها من الآية) .
[13] في (ف) : (لا تكيفه بكيفية) .
[14] في (ر) : (لا كمجيء) .
[15] في (ف) : (وكرامتهم) .
[16] (صُهَيب) سقط من (ط) .
[17] في (أ) و (م) : (ربهم) .
[18] انظر: صحيح مسلم رقم (297) ، والترمذي رقم (2552) ، عن صهيب.
[19] في (ط) : (تعرضهم) بإسقاط الياء.
[20] في (ر) و (ف) : (بهذه) .
[21] في النسخ الفروع: (واستقر) .
[22] في (م) : (أمر العباد قراره) .
[23] في النسخ الفروع: (ألا تراه) .
[24] في النسخ الفروع: (وروي) .
[25] انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (4/ 72) ، والنهاية لابن الأثير (3/ 114) .
[26] في (ط) (يخرج) بياء المضارعة.
[27] في النسخ الفروع: (في هذه القصة) وتصحفت في (أ) إلى (هذه الصفة) .
[28] هنا يختل الترقيم في الأصل أيضًا ويبدأ من الورقة [83/ب]
[29] في (أ) و (م) : (ويمكن) .
[30] قوله (بعد أن لم تكن .... عن تحقيق الرؤية) سقط من (ط) .
[31] في (ر) و (م) : (الحجاب) .
[32] في (أ) و (ر) و (ف) : (فقالوا عنده) . وفي (م) : (عند ذلك)
[33] قوله (في بعض ... الزهري) سقط من (ط) .
[34] في (ف) : (قالو: لا يا رسول الله) .
[35] قوله: (في الشمس .. تضارون) سقط من (أ) .
[36] في (ف) : (فيه) .
[37] قوله (قال فهل تضارون في القمر ... قالوا لا) سقط من (ط)
[38] (فيتبع من كان) تكررت في (ط) .
[39] في النسخ الفروع: (من كان يعبد الشمس الشمس ... القمر القمر ... الطواغيت الطواغيت) .
[40] في (ر) و (ف) : (يأتي) .
[41] في (أ) : (أتى) .
[42] في (م) : (فما) .
[43] في (ر) و (ف) : (من الأنصاب والأزلام) وفي (أ) و (م) : (الأنصاب والأصنام) .
[44] في الأصل (أهل النار) وفي (ط) (أهل النار الكتاب) والمثبت من الصحيح.
[45] انظر: البخاري رقم (7439) ، عن أبي سعيد الخدري.
[46] في (م) : (في المنافقين) .
[47] في النسخ الفروع: (وهو) .
[48] (من) : سقط من (ط) .
[49] في (ر) : (هو) .
[50] (العمران) : أبو بكر وعمر (التاج_ عمر_) .
[51] (الأسودان) : التمر والماء. (التاج_ سود_) .
[52] (العصران) : هما صلاة الفجر، وصلاة العصر، سُمِّيا بالعصرين؛ لأنهما يقعان في طَرَفي العصرين، وهما الليل والنهار (التاج_ عصر_)
[53] في (ف) : (وهما) .
[54] في النسخ الفروع: (يؤكد قوله صورة بمعنى الصفة) .
[55] انظر: صحيح مسلم رقم (183) .
[56] في النسخ الفروع: (علم أنه أراد الصفة) .
[57] البيت لحطائط بن يعفر في عمدة الحفاظ 2/ 971 (رأى) والدر المصون 2/ 117. وينسب إلى حاتم الطائي في ديوانه 40، وشرح ديوان الحماسة 4/ 1734 وبلا نسبة في حجة القراءات 266.
[58] في النسخ الفروع: (يروي) .
[59] في النسخ الفروع: (به) .
[60] في (ط) : (وأن يحسن يحسنوا) .
[61] في (ر) و (ف) و (م) : (صحت الرواية به) وفي (أ) : (صحت به عن رسول الله الرواية) .
[62] في النسخ الفروع: (تأويل صحيح) .
[63] في (ط) : (لا يستحسن) وهو تصحيف.
[64] في (ط) : (أن) .
[65] انظر: سنن الدرامي رقم (598) ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورقم (597) عن عبد الله بن مسعود.
[66] في (ط) (كسعدان) وانظر: جمهرة الأمثال للعسكري 2/ 242، والفرق لابن السِّيد البَطَلْيُوسي 533 و 538، وألف باء للبلوي 2/ 365.
[67] (يبق) ليست في (ط) .
[68] في (ط) : (محشيته) .
[69] في (ف) : (وامتحشت) .
[70] في النسخ الفروع: (بالكسر) .
[71] في النسخ الفروع: (بالفتح) .
[72] في (ط) : (حمل) بحذف الياء.
[73] في (ط) : (خياشيم) .
[74] في الأصل و (م) تقرأ (السمر) بالراء بعد الميم. والمثبت من (ط) .
[75] في النسخ الفروع: (أي يصير في أنفه كالسم) .
[76] في (ط) : (غير) بالياء التحتية.
[77] في النسخ الفروع: (وفيه) .
[78] في النسخ الفروع: (عن الزهري) وبعده زياده: (لم أسمعه) .
[79] قوله: (سيبقى) سقط من الأصل، وفي (ط) : (سقى) والمثبت هو الصواب.
[80] انظر: البخاري رقم (7437) ، عن أبي هريرة.
[81] في الأصلين والفروع: (الشيخ) والمثبت من المصدر.
[82] عجز بيت للأعشى في ديوانه 225 وفيه (السيح) بالسين المهملة بمعنى النهر وصدر البيت:
نفى الذَّمَّ عن آل المُحَلَّق جَفُنَةٌ
والبيت له في البحر المحيط 7/ 55، والدر المصون 9/ 162، وعمدة القاري 13/ 63، واللسان، والتاج (جبى) .
[83] قوله: (منه) زيادة من (ط) .
[84] انظر: الترمذي رقم (2087) ، عن جابر بن عبد الله.
[85] قوله (من الكلام) سقط من (ط) .