2/ 2 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ:
عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ الحارِثَ بنَ هِشامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ [3] ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحيانًا يَأْتِينِي [4] مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ [5] عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ ما قالَ، وأَحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي ما يَقُولُ» . قالتْ عائشَةُ رضي الله عنها: ولَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عليهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
قوله: (يفصم عنِّي) [6] معناه: يُقلعُ عنِّي، وينجلي ما يتغشَّاني [7] منه، وأصله من الفصم وهو القطع، ومنه قول الله تعالى: {لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] ، أي: لا انقطاعَ لها.
ويقال: إنَّ [8] أصلَ الفَصْم: الصَّدْعُ والشَّقُّ من غير إبانة، وأمَّا القَصْم بالقاف
ص 12
فهو: الكَسْر حتى يَبينَ ويَنْفَصِلَ.
والمعنى: أنَّ الوحي كان إذا ورد عليه تصعَّده، له مشقَّة، ويغشاهُ كربٌ؛ وذلك لثقل ما يُلقى عليه من القول، وشدَّة ما يأخذ به نَفْسَه من جمعه في قلبه، وحُسنِ وَعيه وحِفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم، وهو معنى ما جاء في رواية أخرى: «أنَّه كان يأخذه عند الوحي الرُّحضَاءُ.» [9] أي البُهْرُ [10] والعرق؛ ولذلك كان يتفصَّدُ جبينُه، أي: يسيل عرقًا، كما يُفْصَدُ العِرْقُ فيسيلُ منه الدمُ، وبيان هذا في قوله عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] وقوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة:16 - 17] قال ابن عباس رضي الله عنه: كان يَسْتَذكِرُ مخافةَ أن ينفلت منه.
وأمَّا قوله: «يأتيني مثل صلصلة الجرس» فإنَّه يريد _والله أعلم_: أنَّه صوتٌ مُتداركٌ، يسمعه ولا يَتَثَبَّتُه عند أوَّل ما يَقْرعُ سَمْعَه، حتَّى يتفهَّمَ ويَستثبتَ، فيتلقَّفُه حينئذ ويَعِيَهُ [11] ، ولذلك قال: «وهو أشدُّهُ عليَّ» .
وجملة الأمر فيما كان يناله من الكَرْب عند نزول الوحي هي شدَّةُ الامتحان له؛ ليَبْلُوَ صَبْرَهُ، ويُحسن تأديبَه، فيرتاضَ لاحتمال ما كُلِّفه من أعباء النبوَّة، وحسن الاضطلاع للنهوض به إن شاء الله تعالى، وقد رَوَى الإمام أبو عبد الله فيما يشبه هذا حديثًا في كتاب «المناسك» كتبناه هاهنا [12] ، إذ كان مُشَاكِلًا لهذا الحديث:
1536 - قال أبو عبد الله: قالَ أَبُو عاصِمٍ: أخبَرنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: أخبَرنا عَطاءٌ أَنَّ صَفْوانَ بْنَ يَعْلَىَ أَخبَرَهُ:
أَنَّ يَعْلَىَ قالَ لِعُمَرَ: أَرِنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ يُوحَىَ إِلَيْهِ. قالَ: فَبَيْنَما النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالجِعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحابِهِ، جاءَهُ رَجُلٌ فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَىَ فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وهو مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَجاءَ الوَحْيُ، فَأَشارَ عُمَرُ إلىَ يَعْلَىَ، فَجاءَ يَعْلَىَ، وَعَلَىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبٌ [13] قَدْ أُظِلَّ بِهِ، فَأَدْخَلَ رَأسَهُ، فَإِذا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الوَجْهِ، وهو يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فقالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عن العُمْرَةِ؟» وذكر الحديث.
وهذا شبيه في المعنى
ص 13
لما تقدَّم ذكره في الحديث الأوَّل من صُعوبة الأمر عليه في تلقِّي الوحي عند وروده، وضعف القوَّة البشريَّة عن احتماله، هذا إلى ما اسْتَشْعَرهُ من الخوف والوجل؛ لوقوع تقصير فيما [14] أُمِر به من حسن ضبطه، والشَفَقِ من اعتراض خلل دونه، وقد أُنذِر صلى الله عليه وسلم وخُوِّف [15] بما ترتاعُ له النفوس، ويعظمُ به [16] وجل القلوب في قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} الآية [الحاقة:44 - 46]
وكان قد ابتلي أيضًا بما ألقاه الشيطان في أمنيَّته، في سورة «النجم» إلى أن أنزل اللهُ عُذْرَه، وآمنه من تبعته، في [17] قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} الآية [18] [الحج: 52] وقد يحقُّ لما [19] هذا سبيله من عِظم الشأن أن يستعدَّ له بأشدِّ ما يكون من الاحتفال، وأن يستفرغ له واسعَ [20] النفوس، ويبلغ به غايةَ [21] الاجتهاد، وأن يرى كُلَّ ما يلقاهُ صاحبُه من تعبٍ ومشقَّةٍ جَلَلًا [22] دونه، فهذا _والله أعلم_ وجهه ومعناه [23] ، دون ما يزعمه الجُهَّالُ الذين لا رَويَّةَ لهم في العلم [24] ولا بصيرة لهم بالدين [25] من تُرَّهات الأباطيل التي لا أصلَ لها، ولا طائل فيها.
[1] قوله: (من كتاب) : ليس في (م) .
[2] في (ر) : (من بدء الوحي)
[3] (يا رسول الله) سقط من (ط) .
[4] في (ط) : (باسمني) مصحفًا.
[5] في (ط) : (فيفصمه)
[6] في (م) قبله زيادة: (والفصم: الانحلال. فَصَمَ الخلخالُ إذا فتح، لقوله تعالى: {لاَ انفِصَامَ لَهَا} أي: لا تنفك، وكلُّ عقدة حللتها فقد فصمتها) .
[7] في (ر) : (يتغشى بي) .
[8] في (ط) : (لأن) بدل (ويقال إن)
[9] أخرج معناه البخراي في «صحيحه» (1465) عن أبي سعيد الخدري. انظر: البخاري (1465) ، عن أبي سعيد الخُدري.
[10] (البُهْرُ) بالضم، تتابع النَّفَس من الإعياء انظر: التاج (بهر)
[11] جاء في (م) هنا زيادة: (والصلصل الصوت مثل صوت الجرس والطين والفخار، ومنه قوله تعالى: {مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} ) .
[12] في (ط) : (كتبناه هنا) .
[13] (ثوب قد) غير واضحة في (ط)
[14] (تقصير فيما) سقط من (ر) .
[15] (وخوف) سقط من (ط)
[16] (به) سقط من (ر) ، وفي سواها من الفروع: (معه) .
[17] (في) سقطت من (ط)
[18] قوله (الآية) سقط من (ط) .
[19] (لما) سقطت من (ط)
[20] في الفروع: (وسع) .
[21] (غاية) تكررت في (ط)
[22] (الجَلَلُ) الشيء العظيم والصغير الهين، وهو من الأضداد انظر: كتاب الأضداد لابن الأبناري (1/ 412) .
[23] (ومعناه) سقط من (ط)
[24] في (ط) : (ولا علم) .
[25] في (ف) : (في الدين) .