فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 2203

3/ 3 - قال أبو عبد الله: حدَّثني يَحْيَىَ بنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ:

عن عائشَةَ رضي الله عنها، أَنَّها قالتْ: أَوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، وكان لا يَرَىَ رُؤْيا إلَّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فيه _وهو التَّعَبُّدُ_ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ، حتّىَ جاءَهُ الحَقُّ وهو فيه

[1] ، فَجاءَهُ المَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ. قالَ [2] : «ما أَنا بِقارِئٍ» . قَالَ [3] : «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حتّىَ بَلَغَ مِنِّي الجَُهْد، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فقُلْتُ: ما أَنا بِقارِئٍ» .... إلى أن قال: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق:1 - 3] » . فَرَجَعَ بها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ عَلَىَ خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي» .

ص 14

فَزَمَّلُوهُ [4] حتَّىَ ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ _وأَخْبَرَها الخَبَرَ_ [5] ، وقال: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَىَ نَفْسِي» . فَقَالَت خَدِيجَةُ: كَلَّا، واللهِ ما يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتُقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَىَ نَوائبِ الحَقِّ.

فانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حتَّىَ أَتَتْ بِهِ ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ، وكانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجاهِلِيَّةِ، وكانَ يَكْتُبُ العِبْرانِيَّ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ ما رَأَىَ، فَقَالَ لَهُ ورَقَةُ: هَذا النَّامُوسُ الَّذِي أَنزَلَ اللهُ عَلَىَ مُوسَىَ، يا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا، وإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. وذكر بقيَّة الحديث.

وهذه الأمور التي كان صلى الله عليه وسلم بُدِئ بها من صِدْق الرُّؤْيَا، وحُبِّ العُزْلَة عن الناس، والخلوة في غار حِراء، والتعبُّد فيه، ومواظبة الصَّبر عليه الليالي ذوات العدد؛ وإنَّما هي أسبابٌ ومُقدِّماتٌ أَرْهَصَتْ [6] لِنُبوَّته، وجُعلت مبادئ لظهورها، ورؤيا الأنبياء وَحيٌ.

قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وَحْيٌ [7] . ونزع بقوله عز وجل: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] .

و «كان صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه» [8] .

والخلوة يكون معها فراغُ القلب، وهيَ مُعينةٌ على الفِكر، وقاطعة لدواعي الشُّغل، والبشر لا ينتقل [9] عن طباعه ولا يترك ما ألفه من عاداته إلَّا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فَلَطفَ اللهُ تعالى لنبيَّه صلى الله عليه وسلم في بَدْء أمره، فَحبَّبَ إليه الخَلوةَ، وقَطَعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف من عاداتهم، ويستمرَّ على هجران ما لا يُحمَد من أخلاقهم، وألزمه شعارَ التقوى، وأقامه مُقامَ التَّعَبُّد بين يديه؛ ليخشع قلبُه، وتلين عريكتُه [10] لورود الوحي، فيجد فيه مرادًا سهلًا، ولا يصادفه حَزْنًا وَعْرًا.

وعلى هذا المعنى كان _والله أعلم_ مطالبةُ [11] المَلَك إيَّاه بالقراءة، ومعالجتُهُ إيَّاه بالغطِّ وشدَّة الضَّغْطِ، فإنَّ [12] الآدميَّ إذا بلغ منه هذا المبلغ في أمر سمح [13] به إن كان في [14] وَسعه، أو تكلَّف منه بعض ما حُمِّل

ص 15

منه إن لم يكن ذلك من طبعه، فَجُعلت هذه الأسباب مقدِّمات لما أُرصِدَ له من الشأن؛ ليرتاضَ بها، ويستعدَّ لِمَا نُدب له منه، ثمَّ جاءه التوفيقُ والتيسير، وأُمِدَّ [15] بالقوَّة الإلهيَّة، وبُزَّت [16] منه النقائصُ البشريَّة، وجُمعت له الفضائلُ النبويَّة [17] صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (مثل فلق الصبح) يُريد: ضياء الصبح إذا انفلق وتميَّز عن ظلمة الليل، وظهر نورُه وانبلج، يقال: فلق الصبح، وفَرقَ الصبح، وهذا الأمر أبينُ من فَلق [18] الصبح.

وقوله: (فيتحنَّث) معناه: يتعبَّد، وقيل للتعبُّد [19] : التَّحنُّث؛ لأنَّه يلقي به الحِنثَ عن نفسه، ونظيره في الكلام: التَّحوُّب [20] والتأثُّم، أي: إلقاء الحَوْب والإثم عن النفس.

قالوا: وليس في كلامهم تَفَعَّلَ الرجلُ إذا ألقى الشيءَ عن نفسه غيرُ هذه [21] .

وقوله: (فأخذني فغطَّني) يريد: الضَّغْطَ الشديدَ، ومنه: الغَطُّ في الماء، ومن ذلك غَطيطُ البَكْر [22] ، وغطيطُ النائم، وهو ترديد النَّفَس إذا لم تجد مساغًا مع انضمام الشفتين.

ومعنى الغَطِّ في هذا الحديث: الخَنْق، وقد جاء في غير هذه الرواية: «فأخذني فسَأَبني» [23] والسَّأب: الخَنْق.

و (يرجف فؤاده) ، أي: يخفق، والرَّجف: شدَّة الحركة، ومنه الحديث: «أنَّه كان على حِراء فَرجَف الجبلُ» [24]

و (زَمِّلوني) يريد: دَثِّروني، وتزمَّل الرجلُ بالثوب إذا اشتمل به.

وقولها: (وتكسب المعدوم) صوابه: وتكسبُ المُعْدِم؛ لأنَّ المعدوم لا يدخل تحت الأفعال [25] ، تريد: أنَّك تُعطي العائل وتَرفُده.

وفيه لغتان: يقال كَسَبْتُ الرجلَ مالًا، وأَكْسَبْتُه [26] ، وأفصحهما بحذف الألف، وأنشدني أبو عُمر، عن [27] أبي العباس، في إثبات الألف:

فأكسبتُه مالًا وأكسبني حمدَا [28]

قولها: (وتحمل الكَلَّ) أي: تعين الضعيفَ [29] والمنقطع به، والكَلُّ: ما لا يُغني نفسَه ولا يستَقِلُّ بأمرها، ومنه قيل للعِيالِ: كَلٌّ.

وقوله: (هذا الناموسُ الذي أَنزل اللهُ على موسى) يُريد: جبريلَ عليه السلام.

وأخبرني [30] أبو عمر قال: أخبرنا أبو العبَّاس [31] ، عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيِّ، عن أبيه قال: الناموس: صاحبُ سِرِّ الخير. والجاسوس: صاحب سِرِّ الشرِّ [32] .

ويقال [33] : إنَّ أصله

ص 16

مأخوذ من قولك: نامَستُ الرجلَ: إذا سَارَرْتَه، فقيل منه: نَاموس، على بناء فاعول. وقيل: هو مقلوب من نَاَسمْتُه [34] فقدَّم الميم على السين.

وقوله: (يا ليتني فيها جذعًا) معناه: ليتني بقيتُ حيًّا إلى وقت مخرجك، وأيَّام دعوتك، وكنتُ فيها شابًّا بمنزلة الجَذَع من الخيول؛ كقول الآخر:

~يا ليتني فيها جَذَعْ أَخُبُّ فيها وأَضَعْ [35]

قوله: (فيها) على التأنيث، أضمر إمَّا الدعوة أو النبوَّة أو الدَّولة، ونصب جذعًا على معنى ليتني كنت جَذَعًا، فأضمر «كنت» ؛ لأنَّ ليت [36] قد شغل بالمكنَّى، فلم يبق له عمل فيما بعده.

وقوله: (أنصرك نصرًا مؤزَّرًا) أي: بليغًا مُقَوَّى [37] ، من الأَزْر، وهو القوَّة والظَّهر.

[1] في (ف) : (وهو في غار حراء) .

[2] في (أ) و (ر) : (فقلت) .

[3] في (ر) : (إلى أن قال) .

[4] في الفروع: (زملوني زملوني فزملوه) وسقطت (فزملوه) ، من (ر) .

[5] (الخبر) سقط من (ط)

[6] في حاشية الأصل: (الرهص البناء) وفي حاشية (ف) : (المراهص: الدرج. وقال الأعشى: وفضل أقوام عليك مراهصًا) .

[7] أخرجه البخاري في «صحيحه» آخر حديث ابن عباس (138) .

[8] بعض حديث في البخاري (138) .

[9] في (ط) : (لا ينتقله) .

[10] (العريكة) الطبيعة، يقال: فلانٌ لَيِّن العريكة إذا كان سَلِسًَا، مطاوعًا، منقادًا، قليل الخلاف والنفور: (انظر المحكم: عرك)

[11] في (ر) : (مطالبته) مصحفًا.

[12] في (ط) : (قال) مصحفًا.

[13] غير واضحة في (ط) .

[14] (في) سقطت من (ط)

[15] في النسخ الفروع: (وجبر) .

[16] في الفروع: (وجبرت) وبُزَّتُ منه النقائص، أي: سُلبت منه (اللسان: بزز) .

[17] في (أ) : (السَّنيَّة) .

[18] قوله (وفرق الصبح .... فلق) سقطت من (ط)

[19] في (ط) : (التعبد) .

[20] في (ر) : (التحنث) مصحفًا.

[21] في (ط) : (إلا هذه)

[22] البَكْر: الفتي من الإبل عند ترويضه يشدُّ حبلٌ في خناقه فيسمع له غطيط.

[23] انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/ 327.

[24] انظر: المسند لأحمد 3/ 112، عن أنس بن مالك.

[25] قال ابن حجر: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى المعدم الْمَعْدُوم لكَونه كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّت الَّذِي لاتصرف. فتح الباري: 1/ 24.

[26] في النسخ الفروع ما عدا (ف) : (واكتسبه) مصحفًا.

[27] في (ط) : (عمن) مصحفًا. و (أبو عمر) هو المشهور بغلام ثعلب (ت: 345) و (أبي العباس) هو ثعلب (ت: 291) إمام الكوفيين في النحو.

[28] عجز بيت بلا نسبة في عمدة الحفاظ (كسب) ، وصدره فيه: فأوسعتُه مَدْحًا وأوسعني قِرَى، وعجزه في مشارق الأنوار (1/ 302) ، والبحر المحيط (1/ 436) ، وعمدة القاري (1/ 57) ، والتاج: (كسب) .

[29] في (أ) : (الضيف) مصحفًا.

[30] في (ط) : (وأخرى) مصحفًا.

[31] في (ط) : (أبا العباس)

[32] انظر: التاج (جسس، نمس)

[33] (ويقال) سقطت من (ط)

[34] في (ط) : (نامسته)

[35] الرجز لدريد بن الصمة في ديوانه (93) ، وسيرة ابن هاشم (4/ 82) ، والأغاني (10/ 31) ، واللسان، والتاج (جذع، وضع) ، وبلا نسبة في المحتسب (1/ 293) ، والبحر المحيط (5/ 49) ، والدر المصون (6/ 60) .

[36] في (ط) و (م) و (ف) : (كنت) مصحفًا.

[37] في (أ) : (البليغ القوي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت