260/ 1246 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ: حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ: حدَّثنا أَيُّوبُ، عن حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ:
عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها عَبْدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ فَأُصِيبَ _وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَتَذْرِفانِ_ ثُمَّ أَخَذَها خالِدُ بنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ» .
قلت: هذا
[1] كان في غزوة مُؤتة [2] ، أمَّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الجيش زيدًا وقال: إنْ أُصيبَ [3] فالأميرُ جعفر، فإن أصيب فعبد الله بنُ رواحة، فأصيبوا كلُّهم، فنظر خالد وهو في ثَغر مَخُوفٍ، وبإزاء عَدُوٍّ عَدَدهم جمٌّ [4] وبأسُهم شديد، فخاف ضَيَاع الأمرِ، وهلاكَ من معه من المسلمين، فتصدَّى للإمارة عليهم [5] وأخذ الراية من غير تأمير [6] ، وقاتل إلى أن فَتَحَ اللهُ على المسلمين، فرضي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فِعله [7] ، إذْ وافَقَ الحَقَّ، وإن لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدُّم إذنٍ له [8] في ذلك، ولا من القوم الذين معه
ص 213
بَيْعَةٌ وتأميرٌ.
فصار هذا أصلًا في الضرورات إذا وَقَعت في مَعَاظم [9] أمر الديِّن في أنَّها لا تُراعى فيها [10] شرائط أحكامها عند عَدَم الضرورة، فكلُّ أمرٍ حَدَثَ مِمَّا سَبيلُه أن يَتولَّاه الأئَّمة وولاة الأمور، فلم يَشهدوه، وخِيف عليه الضَّياعُ والانتشارُ، فإنَّ تَدَارُكَه واجبٌ، والقيامَ به لازمٌ على مَن شَهِدَه من جماعة المسلمين حَسْبَ ما يوجد إليه السبيل، وإن لم يكن تَقَدَّم لهم [11] في ذلك إذنٌ.
وكذلك هذا في خَواصِّ الأُمور الواجبة في حَقِّ الدِّين، وفي حُقُوق الآحاد من أعيان الناس، وإن لم يتقدَّم من وَليِّ الأمر في ذلك إذنٌ أو توكيلٌ، مثل أن يموتَ رجلٌ بفلاةٍ من الأرض، وقد خَلَّفَ مالًا وتركه، فإنَّ على مَنْ شَهدَه حِفظَ ماله، وإيصاله إلى أهله، وإن لم يُوصِ المُتوفَّى بذلك إليه، ولا يحلُّ له أن يَتركه بمضيعَةٍ، كما لا يحلُّ له أن يُغْفِلَ تكفينَه وتجهيزه من مَاله، فإنَّ أُمُور الدِّين مَوضوعةٌ على التَّعاوُن، والنَّصيحةُ واجبةٌ للمسلمين من بعضهم لبعض.
وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ مَنْ تَغَلَّبَ من الخوارج وأهلِ البَغي فَنُصِّب [12] حَاكمًا بين أهل بلدٍ من البلدان، فإنَّ أحكامه كُلَّها نافذة إذا وافقت أحكام الدين، كما تُنَّفذُ أحكامُ أهل العَدل [13] ، وأنَّه إذا عادَ الأمر إلى أهل الحَقِّ فرُفعت إلى حاكمهم، فإنَّه يُمضيها ولا يُتَتَبَّع حُكمه فيها.
وكذلك لو كانوا أخذوا الصَّدقات من أرباب الأموال لم يُعِد عليهم.
وكذلك لو كانوا عَقدُوا نكاحًا على شَرطِ أحكام الأنكحة لم يُفسخْ، ومضى الأمر في ذلك كُلِّه كما ينفذُ حُكمُ قاضي [14] أهل العدلِ.
وفيه مُستدلٌّ لمن [15] ذَهَبَ إلى أنَّ للإمام الذي ليس فوقه يدٌ أن يحكم لنفسه بما يحكم به لغيره على قَضيَّة حُكم الدِّين، وأنَّ له أن يَعقدَ النكاحَ لنفسه على وليَّته، وأن يَقطعَ السَّارق فيما يَسرقُ من ماله إذا بلغ المبلغَ الذي يَجبُ قَطعُ اليد فيه، وقد قطع أبو بكر رضي الله عنه يد السَّارق الذي
ص 214
سَرق الحُلي من بيته [16] ، فكان ذلك حكمًا منه لنفسه [17] .
فإن قيلَ: فقد رُوي أنَّه كان حُليًّا لأسماء ابنته. قيل: إنَّه لا فرقَ على المعنى الذي أردناه بين ماله ومالِ ولده؛ لانبساط يده في مالها كانبساطها في مال خاصَّته، ولا تجوزُ شَهادتُه لولده، كما لا تجوزُ لنفسه، فكان قَطعه إيَّاه في سَرقةِ مالها كقطعه في سَرقة مالِ نفسه، لا فرق بينهما في ذلك على هذا المعنى.
وفي الحديث من الفقه أيضًا: جوازُ دُخُول الحَظر في الوكالات، وتعليقُها بالشَّرائط.
[1] في (أ) : (هذه) .
[2] (مؤتة) بالهمزة، ويجوز التخفيف: قرية من لبلقاء بطريق الشام. (معجم البلدان 5/ 219، والتاج(موت) .
[3] في (ط) : (أصبت) .
[4] (جم) غير واضحة في (ط) .
[5] (عليهم) سقطت من (ط) .
[6] في (ط) : (تأميره) .
[7] في الفروع: (فرضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
[8] في (ط) زيادة هنا: (من رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن) .
[9] في (أ) و (ر) : (مفاقم) وفي (ف) : (مفاقر) وفي (م) : (متفاقم) .
[10] (فيها) سقطت من (ط) .
[11] قوله (فإن تداركه ... تقدم لهم) سقط من (ط) .
[12] في (ر) : (ونصف) .
[13] في (ط) : (الحق العدل) .
[14] في (ط) : (القاضي) .
[15] في الفروع: (دليل لقول من) .
[16] انظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى (73) ، والمغني لابن قدامة (9/ 107)
[17] في (ط) : (حكمًا لنفسه فيه) .