فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 2203

282/ 1354 - 1355 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدانُ: أخبَرنا عَبْدُ اللهِ،

ص 228

عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرني سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ:

أَنَّ ابنَ عُمَرَ أخبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ

[1] مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، عند أُطُمِ بَنِي مَغالَةَ، وَقَدْ [2] قارَبَ الحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ لاِبنِ صَيَّادٍ: «أتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابنُ صَيَّادٍ، وقالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ [3] . وقالَ ابنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ [4] صلى الله عليه وسلم: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ [5] ؟ فَرَفَصَهُ، وَقالَ: «آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ [6] » . فقالَ له [7] : «ماذا تَرَى؟» قالَ ابنُ صَيَّادٍ [8] : يَأتِينِي صادِقٌ وَكاذِبٌ. فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» . ثُمَّ قالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي [9] قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئأً» . فقالَ ابنُ صَيَّادٍ: هو الدُّخُّ. فقالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» . فقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ [10] أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فقالَ النَّبِيُّ [11] صلى الله عليه وسلم: «إِنْ يَكُنْهُ [12] فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ [13] فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» .

وَقالَ سالِمٌ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، إلىَ النَّخْلِ الَّتِي فيها ابنُ صَيَّادٍ، وهو يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابنِ صَيَّادٍ شَيْئًا، قَبْلَ أنْ يَراهُ ابنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو مُضْطَجِعٌ _أُراه في قَطِيفَةٍ_ لَهُ فيها رَمْرَةٌ [14] _أَوْ: زَمْزَةٌ_ فَرَأَتْ أُمُّه رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فقالت [15] لاِبنِ صَيَّادٍ: يا صافِ _وهو اسْمُ ابنِ صَيَّادٍ_ هَذا مُحَمَّدٌ. فَثارَ [16] ابنُ صَيَّادٍ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم [17] : «لَوْ تَرَكَتْهُ لبَيَّنَ» .

قال أبو عبد الله: وقال شُعيبٌ في حديثه: رَمرَمَة أو زَمْزَمَة [18] .

(الأُطُم) : بناءُ من الحجارة مَرفوعٌ كالقصر، واطَامُ المدينة: حُصونها.

وقوله: (فَرَفَصَه) كذا قال [19] وإنَّما هو «فرصَّه» ، هكذا [20] حدَّثونا [21] به من غير وَجهٍ [22] ، يُريدُ: أنَّه قد [23] ضَغَطَه حتَّى ضَمَّ بعضه إلى بعض، ومنه: رَصُّ البناء، كقوله عزَّ وجلَّ: {كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [24] [الصف: 4] .

ص 229

و (الدُّخُّ) : الدُخانُ، قال الراجز:

~وسَالَ غَربُ عَينه قَلَخَّا عِندَ رِواقِ البيت يَغْشَى الدُّخَّا [25]

وقد زعم بعضهم أنَّه [26] أراد يقولَ: الدُخان؛ فَزَجرهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلم يستطع أن يخرج الكلمة تامَّةً [27] .

وقوله: (يَخْتِلُ) معناه [28] هنا [29] : يَطْلُبُ أن يأتيه من حيث لا يعلم به [30] ، فَيسمَعَ ما يقولهُ في خَلْوته، ومنه خَتْلُ [31] الصَّيدِ وهو أن يُؤتى [32] من حيثُ لا يشعر فيُصَاد.

وقد استدلَّ به بعضُ أهل العلم [33] في أنَّ شِهادةَ المُختبئ شِهادةٌ جائزة [34] ، وأنَّ السَّمعَ شِهادةٌ [35] .

و (الرَّمْرَمَة) [36] : تحريكُ الشفتين، والمِرَمَّة [37] : الشَّفةُ.

و أمَّا (الزَّمزَمَة) [38] بالزاي: فهو [39] من داخل الفم إلى ناحية الحَلْق. و «الرَّمزُ» [40] أيضًا: رَمزُ [41] الشَّفتين.

فأمَّا (الزَّمرُ) [42] : فمن داخل الفم أيضًا، كالصفير ونحوه.

وقوله: (لو [43] تَرَكَتْه لَبَيَّنَ) أي: بيَّن ما في نفسه.

وقوله: (اخسَأ، فلن تَعْدُوَ قدرَك [44] ) يحتمل وجهين:

أحدُهما: يُريدُ أنَّه لا يَبلُغُ قدرُه أن يُطالعَ [45] الغيب من قِبَل الوحَي الذي يُوحى [46] به إلى الأنبياء، ولا من قِبَلِ الإلهام الذي يُلقَى في رُوع [47] الأولياء، وإنَّما كان الذي جرى على لسانه من ذلك شيئًا ألقاه الشيطانُ إليه حين سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُراجِعُ به أصحابه قبل دُخُوله النَّخْل.

والوَجه الآخر: أنَّه أراد بقوله: «لن تَعْدُوَ قَدْرَكَ» ؛ أي [48] : لن تَسْبِقَ قَدَرَ اللهِ فيك وفي أمرِك.

وقد استدلَّ بعضُ أهل العلم بهذا الحديث [49] على أنَّ إسلامَ غيرِ البالغِ قد يَصِحُّ، ولولا ذلك لم يَكشِفه [50] رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وهو إذ ذاك غيرُ بَالغٍ.

وقد يُسْألُ [51] عن أمرِه فيقالُ: كيفَ يجوزُ أن يُقارَّه رسولُ الله [52] صلى الله عليه وسلم وهو يدَّعي النُّبوَّة، ويتركه بالمدينة يُساكنُه فيها ويُجاوره بها، ولمَ لَمْ يَترُكْ عُمرَ أن يفعل ما همَّ به من ضَرب عُنقه [53] وهو مُنكرٌ لِنُبُوَّته ومُدَّعيها لنفسه؟

والجواب:

ص 230

أنَّه قد يحتمل ذلك وجهين من التأويل:

أحدُهما أنَّه حين تكلَّم بهذا القول كان غيرَ بالغٍ، ولا حُكمَ [54] لقولِ غير البالغِ، ولو ارتدَّ من أولاد المسلمين طِفلٌ [55] لم يُقتل حتَّى يَبلُغ فَيُستتابَ، فإن تاب وإلَّا قُتلَ بعد بُلُوغه.

والوجه الآخر: أنَّ هذه القصَّة إنَّما جَرَتْ له معه أيَّامَ مُهادَنَة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم اليهودَ وحُلفاءَهم، وذلك أنَّه كَتبَ بعد مَقْدَمِه المدنية بينه وبين اليهود كتابًا صالحهم فيه على أن لا يُهاجَوا [56] ، وأن يُتركُوا على أمرهم [57] ، وكان ابن الصَّيَّاد من جملتهم، فلم [58] يَعرِضْ [59] له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بسوءٍ فيما كان قوله ذلك.

وقد اختلف الناسُ في أمره اختلافًا شديدًا، هل هو الدَجَّالُ أم لا؟ [60] واضطربت فيه الرِّوايات والآراءُ من العلماء، وقد جمعتها في مسألةِ مفردةٍ [61] ، وذكرتُ فيها تِلكَ الأخبار بأسانيدها، وقد روي عن أبي ذَرٍّ أنَّه قال: أرسلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أمِّه فَسَألتُها فقالت: حَمَلتُه اثني عَشَرَ شهرًا، فلمَّا وَقَعَ صَاح صِياحَ الصَّبِيِّ ابن شَهرين، وكان يَشبُّ في اليوم الواحد شَبَابَ الصَّبِيِّ بشهر.

وكان أبو ذَرٍّ وابنُ عُمَرَ [62] وجابرُ بنُ عبد الله [63] يقولون [64] : هو الدَّجَّال.

وقال آخرون: ليس هو به.

قلت [65] : وهذا أصحُّ؛ لما روي أنَّ الدجَّال لا يدخل المدينة، فكيف يجوز أن يولد بها، ويساكن الرسول فيها؟ ثمَّ لم يُحْكَ عن عينه أنَّها كانت ممسوحة، ولا عنبة طافية، ولا تلك العلامات فيه وجدت، وإنَّما كانت أمنية وقعت له في الصبا، كما وقع لجماعة [66] .

ورُوي [67] أنَّه قد تابَ عن ذلك القول، ورَاجَع الإسلامَ [68] بعد بُلوغه، وأنَّه مات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصلاة عليه كَشَفوا عن وَجْهه حتَّى رآهُ الناسُ، فقيلَ لهم: اشهَدُوا.

وروي عن أبي سعيد الخُدريِّ أنَّه قال: شَتَمْتُ [69] ابن صَيَّادٍ، فقال [70] لي: ألم تسمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ مَكَّةَ، وقد حججت معك. وقال: لا يُولَدُ له وقَدْ وُلدَ لي.

واستدلَّ بعضهم على أنَّه ليس بالدَّجَّال [71] بأنَّ تَميمًا الدَّارِيَّ حَدَّث رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بقصَّة الدَّجَّال والجَسَّاسَة بالمدينة [72] ، فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواها عنه على المنبر، [73] وابن الصَّياد إذْ ذَاك مُقيمٌ بين ظَهرانيهم. [74]

ص 231

[1] في (م) : (قال عمر انطلقت) .

[2] في (م) : (وقال) .

[3] في (ر) : (رسول الله) وفي (أ) و (م) : (رسول الله للأميين) .

[4] في (ط) : (لرسول الله) .

[5] في الأصل هنا زيادة (صلى الله عليه وسلم) .

[6] في (أ) و (م) : (وبرسوله) .

[7] قوله: (له) زيادة من الفروع.

[8] (ابن صياد) سقط من (ط) .

[9] (إني) سقطت من (ط) .

[10] في (ط) : (يا رسول الله دعني) وقوله: (يا رسول الله) سقط من الفروع.

[11] قوله (النبي) سقط من (ط) .

[12] في (ط) و (أ) و (ف) : (يكن هو) .

[13] في (ط) و (أ) و (ف) : (يكن هو) .

[14] في (أ) : (زمزة) وفي (ر) : (زمرة) وفي (ف) و (م) : (زمزمة) وفي هامشه (ف) : (زمرة أو رمزة) .

[15] في الأصل و (ط) : (فقال) والمثبت من الفروع.

[16] في (ر) : (فترار) .

[17] (فقال النبي صلى الله عليه وسلم) سقط من (أ) .

[18] في (أ) : (زمزمة أو رمزمة) وفي (م) : (زمزمة أو زمرة) .

[19] قوله: (كذا قال) زيادة من الفروع.

[20] في الفروع: (كذا) .

[21] في (م) : (حدثه) .

[22] في الفروع: (من وجوه) .

[23] (قد) سقطت من (ط) .

[24] جاء في الفروع هنا زيادة: (قلت أنا _وفي(ف) قال الشيخ_: وأقرب منه أن يقال رفسه بالسين التي تقارب الصاد في اللفظ، مثل ركله) وفي (أ) : (مثل لكزه) .

[25] الرجز للعجاج في ديوانه 2/ 280، وخزائه الأدب 3/ 104، وفيهما (عينيه) .

وبلا نسبة في جمهرة اللغة 1/ 66 و المقاييس 2/ 266 و المخصص 11/ 40 و اللسان والتاج (جلخ_ دخخ_ لخخ)

[26] في الفروع: (وقيل) .

[27] في الفروع: (أن يتم الكلمة) . وجاء بعدها زيادة: (قلت أنا _وفي(ف) قال الشيخ_: لا معنى للدخان هاهنا لأنه ليس مما يمكن أن يخبأ في كف أو كم، وقد قال: خبأت لك خبيئًا. بل الدخ نبت موجود بين النخل والبساتين إلَّا أن يحمل قوله بأت لك خبيئًا أي أضمرت لك اسم الدخان فبجوز على الضمير)

[28] في الفروع: (أي) .

[29] قوله: (هنا) سقطت من الأصل والفروع، والمثبت من (ط) .

[30] قوله: (به) زيادة من الفروع.

[31] في الفروع: (ختلت) .

[32] في (ط) : (هو أيؤتى) .

[33] في الفروع: (بعض أهل العلم به) .

[34] قوله: (جائزة) سقط من الأصل والمثبت من (ط) .

[35] في الفروع: (إذا سمعها) .

[36] في (ر) : (والرمزة) وفي (م) : (الزمزمة) .

[37] في (ر) : (والبرمة) .

[38] في (ر) : (الزمرة) .

[39] في الفروع: (فهي)

[40] في (أ) : (والرمرمة) وفي (م) : (والزمر) .

[41] في الفروع: (من) .

[42] في (أ) : (الزمزمة) وفي (ر) و (ف) : (الزمرة) وفي (م) : (الرمزمة) .

[43] (لو) سقطت من (ط) .

[44] في (ط) : (قد ذكر) .

[45] في الفروع: (قدرك أن تطالع) .

[46] في (أ) و (م) : (جِيء) .

[47] في الفروع: (يلهم) و (الرُّوع) بالضم: الخاطر والقلب (التاج_ روع_) .

[48] في الفروع: (أنك) .

[49] في الفروع: (استدل به قوم) .

[50] في الفروع: (لما كشفه) .

[51] في (ر) : (وقد سئل) .

[52] في (ر) و (ف) : (يُقرره النبي) وقَرَّ بالمكان: ثبت وسكن، فهو قَارٌّ، كاستقرَّ، وتقَارَّ، فهو مَستقرٌّ (التاج_ قرر_) .

[53] قوله: (بها ولم ... عنقه) سقط من (ط) .

[54] (ولا حكم) سقط من (ط) .

[55] في الفروع: (ولو أن طفلا من المسلمين ارتد) .

[56] في (ر) : (أن لا يضاروا) وفي (ف) : (أن لا يهاجر) وفي (م) : (يهادوا) .

[57] انظر: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ص 39.

[58] في (ر) : (فذلك لم) .

[59] في (ط) : (يتعرض) .

[60] انظر: معالم السنن للخطابي (4/ 503) .

[61] في (أ) : (مسألة واحدة مفردة) .

[62] انظر: سنن أبي داود رقم (4330) عن موسى بن عقبة عن نافع.

[63] انظر بالبخاري رقم (7355) ، عن محمد بن المنكدر.

[64] في (ط) : (يقولوان) .

[65] في (ف) : (قال الشيخ) .

[66] قوله: (قلت وهذا أصح .... لجماعة) زيادة من الفروع.

[67] في الفروع: (وقد روي) .

[68] في الفروع: (ورجع إلى الإسلام) .

[69] في (أ) و (ف) : (صحبت) .

[70] في (ر) : (فقيل) .

[71] في الفروع: (ومما يدل عليه) .

[72] انظر: سنن أبي داود رقم (4325) ، عن تميم الداري.

[73] قوله: (فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم .... المنبر) زيادة من الفروع.

[74] انظر: فتح الباري (13/ 323 - 329) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت