فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 2203

283/ 1359 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عَبْدُ اللهِ، قال: أخبَرنا يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، وقال: أخبَرني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:

أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علىَ الفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، أَوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جمعاء، هَلْ تُحِسُّونَ فيها مِنْ

[1] جَدْعاءَ؟!». ثُمَّ يَقُولُ: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] .

أصل الفِطرة في اللغة: ابتداءُ الخِلقةِ، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1] أي: مُبْتدئهما [2] .

ومن ذلك قولهم: فَطَرَ نابُ البعير [3] إذا طلع أوَّلَ ما يُنبت.

ويروى عن ابن عبَّاس أنَّه قال: لم أعلم ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} حتَّى اختصم إليَّ أعرابيَّان في بئر، فقال أحدهما: أنا فَطَرتُها. أي [4] : استحدَثْتُ حَفْرَها، هذا أصلُ الفِطرة [5] في اللغة.

وقد ذهب قومٌ في معنى [6] الفِطرة المذكورة في هذا الحديث إلى أنَّ المُرادَ به الدِّين، واستدلُّوا على ذلك ببيان [7] ما استشهد له من الآية حين تلاها عَقِبَ الحديث، وهو قوله: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] ، مع ما تَقَدَّمَه [8] من قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30] قالوا: فقد اعتورَها [9] البيان من أوَّل الآية وآخرها، فدلَّ أنَّ المُرادَ بها الدِّينُ، واستشهدُوا على ذلك [10] أيضًا بقوله في التمثيل [11] : «كما تُنتَجُ البَهيمةُ بهيمةً [12] جمعاءَ، هل تُحسِّون فيها [13] من جَدعاءَ» والجمعاء: هي السَّليمةُ التي لا عيب فيها ولا نقص، سُمِّيت بذلك لاجتماع السَّلامة لها في أعضائها، لا جَدعَ بها ولا خَرْمَ، حتَّى يُحدِثهُا فيها أربَابُها.

ضرب البَهيمةَ السَّليمة الخِلقةِ أوَّلَ ما تُنتج مَثَلًا للمولود في سَلامةِ فِطرته من الشِّرْك والإلحادِ أوَّل ما يُولَدُ حتَّى يكونَ ما يكون من ذلك بعد [14] .

قلت: وهذا هو [15] حَقُّ [16] الظاهر من لفظ الحديث ومعناه لولا أنَّ أَحَاديثَ أُخرَ عَارَضَته،

ص 232

منها حديثُ أُبَيِّ بن كعبٍ، وهو حديثٌ صحيحُ الإسنادِ، قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} [الكهف: 80] «وكان طُبعَ يوم طُبعَ كافرًا» [17] .

وحديثُ عائشة حين أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصَبيٍّ من صِبيانِ الأنصار يُصلِّي عليه، فقالت: طُوبى لهذا [18] ، لم يَعمل سوءًا ولم يَدرِ به. فقال: «أَوَ غيرَ ذلك يا عائشةُ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لها أهلًا، وخَلَقَها لهم [19] وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم [20] وهم في أصلاب آبائهم» . [21]

وحديثها الآخر: قالت: قلت: [22] يا رسول الله، ذَرَاري المؤمنين؟ فقال: «من آبائهم» قلت: يا رسولَ الله، بلا عَمَلٍ؟ قال: «اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملين» . قلت: يا رسول الله، فَذَراري المشركين؟ قال: «من آبائهم» قلت: بلا عملٍ؟ قال: «الله أعلمُ بما كانوا عَاملين» [23] .

فاحتيج من أجل ذلك في حديث أبي هريرة إلى التأويل والتخريج لِتَتَّفقَ الأحاديثُ كلُّها، ولا تَتَضَادَّ وتختلف، فكان المعنى الذي تضمَّنه الخبر: أنَّ كُلَّ مولودٍ من البشر إنَّما يولد في أوَّل مبدأ الخلق، وأصل الجِبلَّة [24] على الفِطرةِ السليمة، والطَّبع المُتَهَيِّئ لِقَبولِ الدِّين، فلو تُرك عليها وخُلِّي وسَومَها [25] لاسْتمرَّ على لُزُومها [26] ولم يَنْتَقل عنها إلى غيرها [27] ؛ وذلك أنَّ هذا الدِّين بادٍ حُسنُه في العُقُولِ، ويسره [28] في النُّفوس، وإنَّما يَعدل عنه مَن يَعدل إلى غيره ويؤثرُه عليه لآفةٍ من آفات النُّشُوء [29] والتَّقليد، ولو سَلِمَ المولُودُ من تلك الآفات لم يَعتقد غيره، ولم يَختَر عليه شيئًا [30] ما سِواه، ثمَّ تمثَّل بأولاد اليهود والنصارى في اتِّباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم، فَيَزُولُون بذلك [31] عن الفِطرة السَّليمة، وعن المَحَجَّة المُستقيمة.

وحاصل المعنى من هذا الحديث: إنَّما هو الثَّناءُ على هذا الدين، والإخبارُ عن مَحلِّه من العقول، وحُسنِ

ص 233

مَوقِعه [32] من النُفوس، وليس من إيجاب حُكم الإيمان للمولُود بسبيل، والله أعلم [33] .

وفيه على هذا التأويل وُقوعُ الجَمعِ بين الأخبار، وزَوَال الاختلاف عنها، وهو [34] واضحٌ بيِّن، والحمد لله.

وقد ذكرتُ في تأويل هذا الحديث خَمسةَ أوجهٍ أُخَرَ في مسألةٍ أفردْتُها، أشبعتُ الكلام فيها، و ذكرتُ أطرافًا منها في كتاب «معالم السنن» [35] ، والقدر الذي أتينا به في هذا الكتاب وَجيزٌ كافٍ إن شاء الله.

[1] (من) سقطت من (م) .

[2] في الفروع: (مُبتدئها)

[3] في (ط) : (التغير) .

[4] في الأصل (أنا) والمثبت من (ط) .

[5] في (ط) : (اللفظ) .

[6] في الفروع: (وقال قوم) .

[7] (ببيان) سقطت من (ط) .

[8] في الفروع: (يقويه) .

[9] (اعتوره البيان) أي: تداوله (التاج_ عور_)

[10] في الفروع: (عليه) .

[11] قوله: (في التمثيل) زيادة من الفروع.

[12] (بهيمة) سقطت من الفروع إلَّا (أ) .

[13] (فيها) سقطت من الفروع.

[14] في (ط) : (بعده) .

[15] في الفروع: (والذي قالوه) .

[16] في (ط) : (الحق) .

[17] انظر: سنن أبي داود رقم (4706) .

[18] في الفروع: (طوبى هذا) وفي (أ) : (طوبى له هذا) .

[19] (وخلقها لهم) سقط من (ط) .

[20] (وخلقها لهم) سقط من (ط) .

[21] انظر: سنن أبي داود رقم (4713) ، عن عائشة رضي الله عنها.

[22] قوله: (قلت) زيادة من الفروع.

[23] انظر سنن ابي داود رقم (4712)

[24] في الفروع: (الخلقة) .

[25] يقال: خلَّى لها سَومَها أي: وجهَهَا، فهي ترعى حيث شاءت (التاج _سوم_)

[26] في الفروع: (على ذلك) .

[27] في الفروع: (غيره) .

[28] في (أ) و (ر) و (ف) : (وبشره) .

[29] في (ف) : (النشور) وفي (م) : (الشر) .

[30] قوله: (شيئًا) زيادة من (ط) .

[31] في الفروع: (به) إلَّا (ف) : (بهم) .

[32] في (ط) : (موقفه) .

[33] (والله أعلم) سقطت من (ط) .

[34] في الفروع: (وتوفيق) .

[35] انظر: كتاب المعالم (5/ 86)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت