فهرس الكتاب
312/ 1468 - قال أبو عبد الله: حدَّثنا أَبُو اليَمانِ، قال: أخبَرنا شُعَيْبٌ، قال: حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ
[1] المُطَّلِبِ. فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ما يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ، إلَّا أَنَّهُ كانَ فَقِيرًا فَأَغْناهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خالِدًا؛ قَدِ احْتَبَسَ [2] أَدْراعَهُ وَأَعْبدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ [3] فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَمِثْلُها مَعَها» .
قال أبو عبد الله: وقال ابنُ إسحاق، عن أبي الزِّناد: «وهي عليه ومثلُها.» وقال ابن جُريحْ: حُدِّثْتُ عن الأعرج بمثله [4] .
قوله: (إنَّكم تظلمون خالدًا، قد احْتبَس أدراعَه وأَعْبُدَه في سبيل الله) يُتأوَّلُ على وُجوهٍ:
أحدها [5] : أنَّه قد اعتذرَ لخالد ودافعَ [6] عنه، يقول: إذا كان خالد قد احتبس أَدْراعَه وأَعْبُدَه في سبيل الله تَبَرُّرًا وتَقربًا إليه، وذلك غير واجٍب عليه، فكيف يجوز عليه مَنْعُ الصَّدَقةِ الواجبة [7] عليه؟.
والوجه الثاني [8] : أنَّ خالدًا إنَّما طُولِبَ بالزَّكاة عن [9] أثمان الأَدْرُع [10] والأعْبُدِ على معنى أنَّها كانت عنده للتجارة، فأَخْبَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه [11] لا زَكَاة عليه فيها؛ إذْ قد جَعَلهَا حَبْسًا في سبيل الله.
وفي ذلك إثْبَاتُ الزَّكاةِ في الأَمْوال التي تُرصَدُ للتجارة [12] ، وقد أوجَبَها [13] عامَّةُ الفُقهاء، غيرَ أنَّ بعَضَ المتأخِّرين خَالَفَ في ذلك، وهو كالشُّذوذ منه [14] .
وفيه بيان [15] جواز احْتباس [16] آلات الحَرْب والسِّلاح، وعلى قِياسِه الثِّيابُ والأمتعة التي يُنْتَفَعُ بها مع بقاء أعيانها [17] .
وفيه جَوازُ إحباس الحيوان [18]
ص 262
والرَّقيق [19] والإبل ونحوها.
والوَجه الثالث [20] : أنَّه [21] قد أجاز لخالدٍ أن يَحْتَسِبَ [22] بما قد احْتَسَبَه من [23] الأَدْرُع [24] والأَعْبُدِ في سبيل الله من الصَّدَقَة التي أَمَرَ [25] بِقَبْضِها منه؛ وذلك لأنَّ [26] أحَدَ أَصْنَاف [27] المُسْتَحِقِّين للصَّدَقات في سبيل الله هم المُجاهِدُون، فَصَرْفُها في الحَالِ [28] إليهم كَصَرْفِها في المَآلِ.
وفيه على [29] هذا الوَجْه دَليلٌ [30] على جواز أَخْذ [31] القِيمة عن أَعْيانِ الأموال، وَوَضْعِ الصَّدَقَةِ في صِنْفٍ واحدٍ من الأصْناف.
وأمَّا قوله في صَدَقة العبَّاس: (هي عليه صَدَقةٌ ومِثْلُها معها) فإنَّ هذه لَفْظَةٌ قَلَّ المُتابعون فيها [32] لشُعيب [33] ، وقد ذَكَرَ أبو عبد الله أنَّ ابن إسحاق ذكره عن أبي الزناد، عن الأعرج [34] فقال: «هي عليه ومثلها» وذكر عن ابن جُريْجٍ أنَّه قال: «حُدِّثْتُ عن الأعرج مثلَه» . وهذا أولَى؛ لأنَّ العبَّاس رَجُلٌ من صَلِيبة [35] بني [36] هاشم، لا يَحلُّ له الصَّدَقَّةُ، فكيف يَسْتَأْثِرُهُا [37] ويَمْنَعُها أَهْلَ سُهْمانِ الصَّدَقة [38] ؟.
وقد رَواه وَرْقَاءُ، عن أبي الزِّناد، فقال: «وأمَّا العَبَّاس _عَمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم _ فهي عَلَيَّ ومِثْلُها.» [39] أخبرناه [40] ابن دَاسَة، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاح، قال: حدَّثنا شَبَابَة، عن وَرْقاء.
ورواه موسى بن عُقْبَة، عن أبي الزِّناد، فقال: «هي له [41] ومِثْلُها معها.» [42] حدَّثناه إبراهيم بن عبد الله، قال: حدَّثنا ابن خُزَيْمة، قال: حدَّثني أحمدُ بن حَفْص بن عبد الله، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني إبراهيم بن طهمان [43] ، عن موسى بن عقبة [44] .
فأمَّا قولُه في رواية ابن إسْحاق: «فهي عليه ومِثْلُها» ؛ فإنَّ أَبَا عُبَيد قد رواه وقال: أَرَى _والله أعلم [45] _ أنَّه كان أَخَّرَ عنه الصَّدَقَة [46] عامين [47] ، وليس وَجْه ذلك إلَّا أن يكونَ من حَاجَةٍ [48] بالعبَّاس إليها، فإنَّه قد يجوز للإمام أن يُؤَخِّرَها إذا كان ذلك على وَجْه النَّظَر، ثمَّ يأخُذُها [49] منه بعد ذلك [50] .
وأمَّا قوله في رواية وَرقاء: «فهي عَلَيَّ ومِثْلُها» ؛ فإنَّه
ص 263
يُتَأَوَّل على أنَّه قد كان [51] تَسَلَّفَ منه صَدقَةَ عامَين، إحْداهما [52] صَدَقَةُ ذلك العام الذي شَكَاهُ العَامِلُ فيها، وصَدَقَةُ عَامٍ [53] قَبلَه.
وفي ذلك دَليلٌ على جَوازِ تَعْجيل الصَّدَقة قَبلَ حؤولِ [54] الحَوْلِ على المالِ.
وفيه أيضًا دليلٌ على جَوازِ تعجِيلها لسنتين، فإنَّ بعضَ مَنْ أجاز من الفُقهاء لم يُجِوِّزْه [55] لِأَكْثَر من عامٍ واحدٍ.
وأمَّا قولُه في خَبرَ موسى بن عُقْبة: (فهي له ومِثْلُها مَعَها) فمَحْمُولٌ على مُوافقة سَائر الأخبار، ومُتَأَوَّلٌ على مَا يُطابِقُ الأُصُولَ، وتقديرُه: أنَّه قال: فهي عليه ومثلُها معها [56] . وقد جاءَ [57] في كلامهم: «لَهُ» بمعنى «عليه» [58] ، كقوله عزَّ وجلَّ: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] ؛ أي: عليهم، وكقول القائل لصاحبه: له الوَيْلُ؛ بمعنى عليه، وما أَشْبَه ذلك من الكلام.؟؟
[1] (عبد) سقطت من (ط) .
[2] في (أ) : (حبس) .
[3] (بن عبد المطلب) سقط من (ف) و (م) .
[4] في (أ) و (م) : (مثله) .
[5] في الفروع: (قيل) .
[6] في (أ) : (ودفع) .
[7] في الفروع: (منع ما هو واجب) .
[8] في الفروع: (وقيل) .
[9] في (أ) و (م) : (من) .
[10] في الفروع: (الأدراع) .
[11] (أنه) سقطت من (ط) .
[12] في الفروع: (إثبات زكاة التجاة) .
[13] في الفروع: (وبه قال) .
[14] هم الظاهرية، انظر: المحلَّى لابن حزم (5/ 214) .
[15] في الأصل (وفيه جواز بيان) والمثبت من (ط) .
[16] في الفروع: (إحباس) .
[17] في الفروع: (وكلما ينتفع به مع بقاء عينه) .
[18] في الفروع: (الخيل) .
[19] في الأصل (من) بدل الواو والمثبت من (ط) .
[20] في الفروع: (ووجه ثالث) .
[21] قوله: (أنه) زيادة من (ط) وفي الفروع: (وهو أنه) .
[22] في (ف) : (يحتبس) .
[23] في الفروع: (في) .
[24] في (أ) : (الأدراع) .
[25] في (م) : (أمر الله) بزيادة لفظ الجلالة.
[26] في (أ) : (لأنهم) .
[27] في (ف) : (الأصناف) .
[28] في (ط) : (المآل) .
[29] في الفروع: (فعلى) .
[30] في الفروع: (يكون دليلًا) .
[31] في (ف) : (أخذ جواز) .
[32] (فيها) : سقطت من (ط) .
[33] في الفروع: (فلفظة لم يتابع شعيب عليها) .
[34] قوله: (عن الأعرج) زيادة من (ط) .
[35] في (أ) و (م) : (صلب) و (ف) : (صلية) وقال صاحب الأساس (صلب) : ومن المجاز: عَرَبيٌّ صَلِيبٌ: خالصُ النسب. وامرأة صليبة: كريمة المَنْصِب عريقة.
[36] في (م) : (ابن) .
[37] في (أ) و (م) : (يستأثر بها) .
[38] في الفروع: (أهل السهمان) .
[39] انظر: سنن أبي داود رقم (1623) ، عن أبي هريرة.
[40] في (م) : (أخبرنا) .
[41] في (ط) : (عليَّ) .
[42] انظر: سنن أبي داود رقم (1623) .
[43] قوله: (بن طهمان) زيادة من (أ) .
[44] انظر: صحيح ابن خزيمة رقم (2329) .
[45] قوله: (والله أعلم) سقط من (ط) .
[46] في (أ) و (ف) : (الصدقة عنه) .
[47] انظر: كتاب الأموال لأبي عبيد (592) ، وعمدة القاري 7/ 302.
[48] في الفروع: (لحاجة عرضت) .
[49] في الفروع: (ثم إنه يأخذه) .
[50] قوله: (ذلك) زيادة من (ط) .
[51] في الفروع: (يقال كان) .
[52] في (ف) : (أحدهما) .
[53] في الفروع: (العام) .
[54] في (ط) : (حول) وفي (أ) و (م) : (حلول) .
[55] في (ط) : (يجوزوه) .
[56] جاء في الفروع زيادة: (بمعنى الإمهال والنظرة)
[57] في الفروع: (يجيء) .
[58] انظر مجيء (اللام) بمعنى (على) : الأزهية للهروي 287، والمغني لابن هشام 1/ 185، والجنى الداني 101، والبرهان للزركشي 4/ 341.