فهرس الكتاب

الصفحة 994 من 2203

515/ 2369 - قال أبو عبد الله: حدَّثني عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: حدَّثنا سُفْيانُ، عن عَمْرٍو، عن أَبِي صالِحٍ السَّمَّانِ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

[1] ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ علىَ سِلْعَة لقد أَعْطَىَ بها أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَىَ وهو كاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ علىَ يَمِينٍ كاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ [2] بها مالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ ماءٍ، فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَما مَنَعْتَ فَضْلَ ما [3] لَمْ تَعْمَلْه يَدَاكَ» .

قوله: (بعد العَصْرِ) وتَخْصيصُهُ ذلك الوقت باليمين الفَاجرة وتَعْظِيمُه الإثْمَ والجَرْحَ فيه، وقد عُلِمَ أنَّ [4] اليمينَ الفاجرةَ مُحَرَّمةٌ في كُلِّ وَقْتٍ وأوان ممَّا يُسْألُ عنه، وقد يَحْتملُ ذلك وُجُوهًا منها: أنَّ [5] اللهَ عَزَّ وجلَّ قد عَظَّم شَأنَ هذا الوقت وأكَّد أَمْرَ الصَّلاةِ المفروضَةِ فيه، وَقَدَّمَها على سائر الصلوات في حَقِّ المحافَظَةِ فقال: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] .

فرُوي على مَعْنى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

ص 384

إنَّها صَلاَةُ العَصْرِ. [6]

وروي عن عليِّ بن أبي طالب وعن عائشة في جماعة من الصحابة أنَّ الصلاة الوسطى هي العصر [7] .

وقد رُوي أنَّ ملائكةَ الليل والنهار يجتمعون في تلك الصَّلاة، ويُرْفَعُ فيها الأعمالُ التي اكْتسبها العبادُ مِنْ لَدُنْ [8] أوَّلِ النهار [9] ، فهو خِتامُ الأعمال وسائقها والأمور بخواتيمها [10] ، فيُشْبه أن يكون _والله أعلم_ إنَّما جرى ذكر هذا الوقت في الحديث خصوصًا، وغُلِّظت العقوبة فيه لتُحذر [11] اليمين الفاجرة، ولا يُقْدم [12] عليها، فإنَّ مَنْ تَرَكَها تَحرُّجًا [13] في ذلك الوقت تركها في سائر الأوقات، ومَنْ تَجَرَّأ عليها فاعْتَادَها في غيره من الأوقات لم يَتَحرَّجْ مِنْ فِعْلها في ذلك الوَقْتِ [14] .

ومنْ خُصُوصية الوَقتِ بَعْدَ العَصْرِ أنَّه وَقْتٌ يَخْتم فيه صَحيفَتَهُ بما كان منه في نَهارهِ مِنْ طَاعَةٍ ومَعْصيةٍ، ويُرْفَعُ على إثْر ذلك عَملُه إلى اللهِ تعالى.

وممَّا يِؤَكِّدُ تعظيم حُرْمَةِ هذا الوَقتِ قولُ [15] اللهِ تعالى في شهادةِ [16] أَهْلِ الذِّمَّة:

{تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ [17] بِاللّهِ} [المائدة 106] قالوا: أرادَ به [18] صَلاَةَ العَصْرِ [19] .

وقد قيل في ذلك: إنَّ النَّاس بالحِجَاز كَانُوا [20] يَحْلفُونَ بعدَ صَلاَةَ العَصْرِ، لأنَّه وَقتُ اجتماع الناس.

وقد رَوَى وَكيعٌ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فقال: «ورَجُلٌ [21] بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بعد العَصْرِ، فَحلَفَ له باللهِ لأَخَذَهَا بكذا وكذا، فصَدَّقهُ وهي على غير ذلك»

وقد ذَكَرهُ أبو عبد الله في هذا الكتاب [22] إلَّا أنَّ هذا الحَرْفَ لم يَقَعْ ذِكْرُهُ في رواية سُفيانَ مِنْ هذا الحديث، فَيَحْتمل إلى ما ذكرنَاهُ من الوُجُوهِ أن يكون إنَّما خَصَّ ما بَعْدَ العَصْرِ بهذا الحُكمَ؛ لأنَّه آخِرُ النهار، وهو الوَقْتُ الذي يَنْصَرفُ فيه التُّجَّارُ والباَعَةُ إلى مَنَازِلهم بما كَسَبوهُ بَيَاضَ نَهارَهِم مِنْ ربحٍ وفَضْلٍ، ورُبَّما يتَّفقُ أن يكونَ التَّاجرُ في بعض الأيَّامِ لاَ يَسْتَنفق سُوقًا ولا يَسْتَفضل رِبْحًا، فإذا أَمْسَى ونَفَقَتُه في غَالبِ العَاَدِة إنَّما هي كَسْبُ يَوْمه وربْحُ

ص 385

نَهارهِ، ويَكْرَهُ أن يَجْعلَها مِنْ صُلْبِ مَالِهِ وأَصْلِ بِضاعته، فَتَنْفَقَ له في ذلك الوَقْتِ الصَّفْقَةُ، فَيُرَوِّجُها باليمينِ الكاذبة حرصًا على ما ينالُ فيه مِنْ رفق، فَيُوتغُ [23] بذلك دِينهُ، ونَسألُ الله السَّلامة مِنْ آفَةِ الحِرْص، وأنْ يَرْزُقَنَا تَعْظيم ما عَظَّمَهُ اللهُ من أَمْرِهِ، وتحقير مَا حَقَّرهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنيا بفضله ورحمته.

وقوله: (أَمْنَعُكَ [24] فضلي، كما منعتَ فَضْلَ ماءٍ لم تَعْملْهُ يداك) فإنَّ فيه كالدَّليل على أنَّ الأَمْرَ في ذلك مِنْ بَابِ الأَمْرِ بالمعروف لا على سبيل الوُجُوب [25] .

ومعنى قوله: (لم تعملْهُ يَدَاك) أي: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو الذي خلق الماءَ، وأنزله من السماء، وأَنْبَعَهُ من العُيونِ، كقوله [26] : {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} [الواقعة:68 - 69] يقول: إذا كُنت لم تُعْطَ الماء [27] بكَدِّكَ وكَدْحِكَ، وإنَّما هو سُقْيَا من اللهِ عزَّ وجلَّ، ورِزْقٌ سَاقَهُ إليك، فاسْمَحْ به لأخيكَ [28] ، ولا تَبْخَلْ بفَضْله عَليْكَ يبَارَك لك [29] فيه، وتَسْتَحقَّ المزيد منه، ولا تُحْرَمِ الثَّوابَ عليه.

[1] قوله (عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة) سقط من (ف) .

[2] في (م) : (ليقطع) .

[3] كذا هنا في الشرح الآتي (ماءٍ) .

[4] في الفروع: (خص هذا الوقت يعني العصر بتعظيم الإثم والحرج فيه وإن كانت) .

[5] في الفروع: (لأن) .

[6] انظر: المسند للإمام أحمد (1/ 122) عن علي _ رضي الله عنه _

[7] في الفروع: (وقدم الصلاة المفروضة فيه على سائرها في الخبر المسند في قول جماعة من الصحابة) .

[8] (من لدن) سقطت من (ط) .

[9] في الفروع: (وبعدها ترفع أعمال النهار) .

[10] انظر: البخاري رقم (555) ، عن أبي هريرة.

[11] في (ط) : (لعذر) .

[12] في الفروع: (في هذا الوقت لئلا يقدم) .

[13] في (أ) : (تجربًا) .

[14] في الفروع: (فإن من تجرأ عليها هذا الوقت اعتادها في غيره من الأوقات) وجاء في (م) (أعادها) بدل اعتادها.

[15] في الفروع: (ولذلك قال) .

[16] في (أ) : (شاهدي) .

[17] في (م) : (فيقسم بها) .

[18] في الفروع: (قيل هي) .

[19] وقله: (فيقسمان بالله .... صلاة العصر) سقط من (ط) .

[20] في الفروع: (كان الناس بالحجاز) .

[21] انظر سنن أبي داود رقم (3474) ، عن أبي هريرة.

[22] انظر: البخاري رقم (2358) ، عن أبي هريرة.

[23] (الوَتَغُ) بالتحريك: الهلاك، يقال: وَتَغَ يَوْتَغُ وَتْغًًا فَسَدَ وهلك وأَثِمَ. (اللسان _ وتغ_)

[24] في الفروع: (اليوم أمنعك) .

[25] في الفروع: (وفيه أنه من باب المعروف لا الوجوب) .

[26] في الفروع: (أشار إلى قوله تعالى) .

[27] في الفروع: (إذا كنت تمنع فضل الماء الذي لم تعط) .

[28] في الفروع: (فما الذي تسمح به لأخيك) .

[29] في الأصل (له) والمثبت من (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت