فهرس الكتاب
قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( حَتَّى يَقُوم ثَلَاثَة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمه: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَة ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( يَقُوم ثَلَاثَة ) وَهُوَ صَحِيح أَيْ يَقُومُونَ بِهَذَا الْأَمْر فَيَقُولُونَ: لَقَدْ أَصَابَتْهُ فَاقَة ( وَالْحِجَا ) مَقْصُور وَهُوَ الْعَقْل،وَإِنَّمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ( مِنْ قَوْمه ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْخِبْرَة بِبَاطِنِهِ،وَالْمَال مِمَّا يَخْفَى فِي الْعَادَة فَلَا يَعْلَمهُ إِلَّا مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِصَاحِبِهِ،وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحِجَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط فِي الشَّاهِد التَّيَقُّظ فَلَا تُقْبَل مِنْ مُغَفَّلٍ،وَأَمَّا اِشْتِرَاط الثَّلَاثَة فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: هُوَ شَرْط فِي بَيِّنَة الْإِعْسَار فَلَا يُقْبَل إِلَّا مِنْ ثَلَاثَة ؛ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث،وَقَالَ الْجُمْهُور: يُقْبَل مِنْ عَدْلَيْنِ كَسَائِرِ الشَّهَادَات غَيْر الزِّنَا،وَحَمَلُوا الْحَدِيث عَلَى الِاسْتِحْبَاب،وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَلَا يُقْبَل قَوْله فِي تَلَفِهِ وَالْإِعْسَار إِلَّا بِبَيِّنَةٍ،وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْرَف لَهُ مَال فَالْقَوْل قَوْله فِي عَدَم الْمَال .
قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَة يَا قَبِيصَة سُحْتًا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( سُحْتًا ) . وَرِوَايَة غَيْر مُسْلِم: ( سُحْت ) وَهَذَا وَاضِح،وَرِوَايَة مُسْلِم صَحِيحَة،وَفِيهِ إِضْمَار أَيْ: أَعْتَقَدَهُ سُحْتًا،أَوْ يُؤْكَل سُحْتًا .""
8.بيان بعض الاصطلاحات الحديثية:
مثل هل العبرة بما روى الراوي أو بما أفتى به ورآه،انفرد الحنفية باعتبار ما أفتى به راوي الحديث [1] ،ومن أمثلة ذلك ولوغ الكلب في الإناء،
قال الزيلعي [2] :
"الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثًا"."
(1) - انظر كشف الأسرار - (ج 5 / ص 148) والإبهاج في شرح المنهاج - (ج 3 / ص 473) وتقويم النظر - (ج 2 / ص 185) وفي إجابة السائل شرح بغية الآمل - (ج 1 / ص 335) : والجمهور ينفي التخصيص برأي الراوي وخالف في ذلك الحنابلة والحنفية ، استدل الجمهور بأن العمل بالدليل وهو العموم واجب ومذهب الراوي ليس بدليل عندهم فلا يخص به وإلا لزم ترك الدليل لغير دليل وهو غير جائز
قال المخالف عمل الراوي بخلاف ما رواه دليل على اطلاعه على دليل التخصيص وإلا كان فاسقا لمخالفته الدليل ، قلنا الدليل ما رواه لا ما رآه إذ قد يكون دليل التخصيص عنده عن ظن أو اجتهاد وظنه واجتهاده لا يجب علينا اتباعه فيهما ولذا كان الصحابة يخالف بعضهم بعضا في الاجتهادات ولو كان حجة لما جاز خلافه وإذا كان هذا في الصحابي فبالأولى أن لا يعمل برأي غيره
(2) - في نصب الراية - (ج 1 / ص 130)