اعلم أن قول المحدثين فلان متروك الحديث أو تركوا حديثه أو حرقوا حديثه يقتضي عدم العمل بما انفرد به وإذا تركوه فإما أن يكون خبره صحيحا في نفس الأمر أو كذبا لأنه لا واسطة بينهما فإن كان خبره كذبا في نفس الأمر فالحكم ظاهر والترك حينئذ في محله وإن كان خبره صدقا في نفس الأمر وتعلق به حكم شرعي يطلب العمل به وجوبا أو ندبا فلا يعمل به أيضا ؛ لأن أهل العلم أطبقوا على عدم العمل بخبر واه تفرد به المتروك بل أطبقوا على عدم العمل بالضعيف من الأحكام [1] وعليه فيكون خبر المتروك بمنزلة الموضوع من حيث العمل به وعدم العمل به،وأما تسمية حديثه موضوعا فلا يطبقونها عليه إلا بعد يقين أو غلبة ظن لأنه قد يصدق الكذوب ويروي خبرا صحيحا إلا أنه إذا رد خبره سقط العمل به لعدم الوثوق به فكأنه لم يبلغنا خبره أصلا .
( فائدة )
نقل عن الإمام أحمد أنه قال ثلاثة كت بليس لها أصل المغازي والملاحم والتفسير،قال الخطيب في جامعه: إن ذلك محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقلها وزيادة القصاص فيها فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة ولم يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة وأما كتب التفسير فمن أشهرها كتاب الكلبي ومقاتل بن سليمان وقد قال أحمد في تفسير الكلبي من أوله إلى آخره كذب قيل له أفيحل النظر فيه ؟ قال لا .
وأما المغازي فمن أشهرها كتاب محمد بن إسحاق وكان يأخذ من أهل الكتاب وكتب محمد بن عمر الواقدي قال الشافعي تبعا لمالك إنها كذب وذكر على بن المديني أن الواقدي روى ثلاثين ألف حديثا لا أصل لها وليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة وهو من رجال الصحيح ثقة ثبت في الحديث وحديثه في البخاري وغيره
( فائدة )
قد صنفت في كتب الحديث وجميع ما احتوت عليه موضوع منها موضوعات القضاعي ومنها الأربعون الودعانية قال الصاغاني أول هذه الودعانيات كأن الموت فيها على غيرنا كتب وآخرها ما من بيت إلا وملك يقف على بابه كل يوم خمس مرات قال السيوطي في الذيل إن الأربعين الوعانية لا يصح فيها حديث موفوع وإن كان فيها كلام حسن وموعظة وقد سرقها ابن ودعان من واضعها زي بن رفاعة ويقال إنه الذي وضع رسائل إخوان الصفا وكان من أجهل خلق الله في الحديث .
ومنها كتاب فضل العلماء للشرف البلخي وأوله من تعلم مسألة من الفقه فله كذا
ومنها كتاب العروس المنسوب للإمام أبي الفضل سيدنا جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين -رضي الله عنهم- قال الديلمي أسانيده واهية وأحاديثه منكرة لا يعتمد عليها ولعل واضعه نسبه للإمام المذكور لأجل رواجه وقبوله عند الناس لما هو مشهور به من العلم والصدق
ومنها كتاب يدعى بمسند أنس البصري مقدار ثلاثمائة حديث يرويه سمعان ابن المهدي عن أنس وأوله أمتي في سائر الأمم كالقمر في النجوم وقال في الذيل سمعان بن المهدي لا يكاد يعرف نسبت له نسخة مكذوبة قطع الله من وضعها وفي لسان الميزان هي من رواية محمد بن مقاتل الرازي عن جعفر بن هارون عن سمعان
ومنها وصايا علي -رضي الله عنه- التي وضعها حماد بن عمر النصيبي وأولهما كما ذكر الصاغاني يا علي لفلان ثلاث علامات ومنها إذا تزودت فلا تنس البصل ولا تسافر في انمحاق القمر ولا تجامع في نصف الشهر وآخرها يا علي قد أعطيتك في هذه الوصايا علم الأولين والآخرين وكلها موضوعة سوى حديث يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي
(1) - قلت: إنْ حمل كلامُه على عدم وجوب العمل بالحديث الضعيف في الأحكام فصحيح ،وإن كان يقصد المنع مطلقًا فباطل ،لأنه قد ثبت عند الحنفية والحنابلة والمالكية العمل بالحديث الضعيف في الأحكام إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منه ،وهو مقدم على رأي الرجال ،انظر كتابي ( الخلاصة في أحكام الحديث الضعيف ) .