فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 701

الثَّالِثُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ: فَتَارَةً تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ،وَتَارَةً تَقْتَضِي حَصْرًا مَخْصُوصًا،وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ وَالسِّيَاقِ،كَقَوْلِهِ تَعَالَى {: إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } وَظَاهِرُ ذَلِكَ: الْحَصْرُ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فِي النِّذَارَةِ،وَالرَّسُولُ لَا يَنْحَصِرُ فِي النِّذَارَةِ،بَلْ لَهُ أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ كَثِيرَةٌ،كَالْبِشَارَةِ وَغَيْرِهَا،وَلَكِنَّ مَفْهُومَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي حَصْرَهُ فِي النِّذَارَةِ لِمَنْ يُؤْمِنُ،وَنَفْي كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى إنْزَالِ مَا شَاءَ الْكُفَّارُ مِنْ الْآيَاتِ،وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ } مَعْنَاهُ: حَصْرُهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى بَوَاطِنِ الْخُصُومِ،لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ،فَإِنَّ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْصَافًا أُخَرَ كَثِيرَةً،وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ } يَقْتَضِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْحَصْرَ بِاعْتِبَارِ مَنْ آثَرَهَا،وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: فَقَدْ تَكُونُ سَبِيلًا إلَى الْخَيْرَاتِ،أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ لِلْأَكْثَرِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَقَلِّ .

فَإِذَا وَرَدَتْ لَفْظَةُ"إنَّمَا"فَاعْتَبِرْهَا،فَإِنْ دَلَّ السِّيَاقُ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَصْرِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ: فَقُلْ بِهِ،وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مَخْصُوص: فَاحْمِلْ الْحَصْرَ عَلَى الْإِطْلَاقِ،وَمِنْ هَذَا: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الرَّابِعُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ وَبِالْقُلُوبِ،قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَمَلٌ،وَلَكِنَّ الْأَسْبَقَ إلَى الْفَهْمِ: تَخْصِيصُ الْعَمَلِ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ،وَإِنْ كَانَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ فِعْلًا لِلْقُلُوبِ أَيْضًا .

وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ خَصَّصَ الْأَعْمَالَ بِمَا لَا يَكُونُ قَوْلًا،وَأَخْرَجَ الْأَقْوَالَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا عِنْدِي بُعْدٌ،وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ"الْعَمَلِ"يَعُمُّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ،نَعَمْ لَوْ كَانَ خُصِّصَ بِذَلِكَ لَفْظُ"الْفِعْلِ"لَكَانَ أَقْرَبَ،فَإِنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُمَا مُتَقَابِلَيْنِ،فَقَالُوا: الْأَفْعَالُ،وَالْأَقْوَالُ،وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ الْأَقْوَالَ أَيْضًا .وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْخَامِسُ: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ .

فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِهِ،فَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ،قَدَّرُوا:"صِحَّةُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ"أَوْ مَا يُقَارِبُهُ،وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا: قَدَّرُوهُ"كَمَالُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ"أَوْ مَا يُقَارِبُهُ،وَقَدْ رُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْكَمَالِ،فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ أَلْزَمَ لِلشَّيْءِ: كَانَ أَقْرَبَ إلَى خُطُورِهِ بِالْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ،فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت