وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَدِّرُونَهُ"إنَّمَا اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ"وَقَدْ قَرَّبَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِنَظَائِرَ مِنْ الْمُثُلِ،كَقَوْلِهِمْ: إنَّمَا الْمُلْكُ بِالرِّجَالِ ؛ أَيْ قِوَامُهُ وَوُجُودُهُ،وَإِنَّمَا الرِّجَالُ بِالْمَالِ،وَإِنَّمَا الْمَالُ بِالرَّعِيَّةِ،وَإِنَّمَا الرَّعِيَّةُ بِالْعَدْلِ،كُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ: أَنَّ قِوَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ .
السَّادِسُ: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ،وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَيَدْخُلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الْمَسَائِلِ .
وَمِنْ هَذَا عَظَّمُوا هَذَا الْحَدِيثَ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } ثُلُثَا الْعِلْمِ،فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ حَصَلَتْ فِيهَا نِيَّةٌ،فَلَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا عَلَى حُصُولِ الْمَنْوِيِّ .
وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِيهَا نِيَّةٌ،فَلَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ حُصُولِ مَا وَقَعَ فِي النِّزَاعِ، [ وَسَيَأْتِي مَا يُقَيَّدُ بِهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ ] فَإِنْ جَاءَ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْوِيَّ لَمْ يَحْصُلْ،أَوْ أَنَّ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ يَحْصُلُ،وَكَانَ رَاجِحًا: عُمِلَ بِهِ وَخَصَّصَ هَذَا الْعُمُومَ .السَّابِعُ: قَوْلُهُ"فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ"اسْمُ"الْهِجْرَةِ"يَقَعُ عَلَى أُمُورٍ،الْهِجْرَةُ الْأُولَى: إلَى الْحَبَشَةِ،عِنْدَمَا آذَى الْكُفَّارُ الصَّحَابَةَ،الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ،الْهِجْرَةُ الثَّالِثَةُ: هِجْرَةُ الْقَبَائِلِ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِتَعْلَمَ الشَّرَائِعَ،ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَوَاطِنِ،وَيُعَلِّمُونَ قَوْمَهُمْ،الْهِجْرَةُ الرَّابِعَةُ،الْهِجْرَةُ الْخَامِسَةُ: هِجْرَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ .
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَحُكْمُهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ،غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ،لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ الْهِجْرَةِ وَإِنَّمَا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى أُمَّ قَيْسٍ،فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ وَلِهَذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ،دُونَ سَائِرِ مَا تُنْوَى بِهِ الْهِجْرَةُ مِنْ أَفْرَادِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ،ثُمَّ أُتْبِعَ بِالدُّنْيَا .
الثَّامِنُ: الْمُتَقَرَّرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: أَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ وَالْمُبْتَدَأَ أَوْ الْخَبَرَ،لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَغَايَرَا،وَهَهُنَا وَقَعَ الِاتِّحَادُ فِي قَوْلِهِ { فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا،فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ حُكْمًا وَشَرْعًا .
التَّاسِعُ: شَرَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفٍ فِي أَسْبَابِ الْحَدِيثِ،كَمَا صُنِّفَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ،فَوَقَفْتُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَهُ .