وَهَذَا الْحَدِيثُ - عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحِكَايَةِ عَنْ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ - وَاقِعٌ عَلَى سَبَبٍ يُدْخِلُهُ فِي هَذَا الْقَبِيلِ،وَتَنْضَمُّ إلَيْهِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لِمَنْ قَصَدَ تَتَبُّعَهُ .
الْعَاشِرُ: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا"مَنْ نَوَى شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ"وَبَيْنَ قَوْلِنَا"مَنْ لَمْ يَنْوِ الشَّيْءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ"وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ،أَعْنِي قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَآخِرُهُ يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ،أَعْنِي قَوْلَهُ { وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا،فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ } .
وهناك شرح قيم اسمه:تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام،هذا شرحه للحديث الأول:
النية وأحكامها
عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ أبي حَفْصِ"عُمَرَ بْنِ الخَطَاب"رَضيَ الله عَنْهُ قَال: سَمِعت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول:
"إنَّمَا الأعْمَالُ بَالْنيَاتِ،وَإنَّمَا لِكل امرئ مَا نَوَى،فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتهُ إلَى اللّه وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتهُ إلَى اللّه وَرَسُولِهِ،وَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ لِدُنيا يُصيبُهَا،أو امْرَأة يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُه إلَى مَا هَاجَرَ إليهِ".
غريب الحديث:
1-"إنما الأعمال بالنيات"كلمة [ إنما ] ،تفيد الحصر،فهو هنا قصر موصُوف على صفة،وهو إثبات حكم الأعمال بالنيات،فهو في قوة [ ما الأعمال إلا بالنيات] وينفى الحكم عما عداه.
2-"النية"لغة: القصد. ووقع بالإفراد في أكثر الروايات. قال البيضاوي النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر ا.هـ . وشرعا: العزم على فعل العبادة تقربا إلى الله تعالى.
3-"فمن كانت هجرته... الخ"مثال يقرر ويوضح القاعدة السابقة.
4-"فمن كانت هجرته"جملة شرطية.
5-"فهجرته إلى الله ورسوله"جواب الشرط،واتحد الشرط والجواب لأنهما على تقدير"من كانت هجرته إلى الله ورسوله - نية وقصدًا- فهجرته إلى الله ورسوله- ثوابا وأجرًا".
المعنى الإجمالي:
هذا حديث عظيم وقاعدة جليلة من قواعد الإسلام هي القياس الصحيح لوزن الأعمال،من حيث القَبول وعدمه،ومن حيث كثرة الثواب وقلته.فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر أن مدار الأعمال على النياتْ فإن كانت النية صالحة،والعمل خالصا لوجه الله تعالى،فالعمل مقبول. وإن كانت غير ذلك،فالعمل مردود،فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك. ثم ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلاَ يوضح هذه القاعدة الجليلة بالهجرة. فمن هاجر من بلاد الشرك،ابتغاء ثواب الله،وطلبًا للقرب من النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وتعلم الشريعة،فهجرته في سبيل الله،والله يثيبه عليها. ومن كانت هجرته لغرض من أغراض الدنيا،فليس له عليها ثواب. وإن كانت إلى معصية،فعليه العقاب.
والنية تمييز العبادة عن العادة،فالغسل - مثلا - يقصد عن الجنابة،فيكون عبادة،ويراد للنظافة أو التبرد،فيكون عادة .
وللنية في الشرع حالتان:
أحدها: الإخلاص في العمل لله وحده،هو المعنى الأسمى،وهذا يتحدث عنه علماء التوحيد،والسير،والسلوك.
الثاني: تمييز العبادات بعضها عن بعض،وهذا يتحدث عنه الفقهاء.
وهذا من الأحاديث الجوامع التي يجب الاعتناء بها وتفهمها،فالكتابة القليلة لا تؤتيه حقه . وقد افتتح به الإمام البخاري- رحمه الله تعالى- صحيحه لدخوله في كل مسألة من مسائل العلم وكل باب من أبوابه.
ما يؤخذ من الحديث: