وَإِن كَانَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر (قَالَ) : [ رُوَاة الْمُوَطَّأ ] اخْتلفُوا،فبعضهم يَقُول: من آل بني الْأَزْرَق،كَمَا قَالَ يَحْيَى . وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل الْأَزْرَق . وَكَذَا قَالَ (القعْنبِي) . وَبَعْضهمْ يَقُول: من آل ابْن الْأَزْرَق،كَذَلِك قَالَ [ ابْن ] الْقَاسِم،وَابْن بكير . قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهَذَا كُله مُتَقَارب غير (ضار) .
قلت: وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي اعتذر بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّيْخَيْنِ فِي عدم تخريجهما لهَذَا الحَدِيث،فَقَالَ فِي كتاب «الْمعرفَة» : (إنَّما) لم يخرجَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم سعيد بن سَلمَة،والمغيرة بن أبي بردة .
وَهَذَا غير ضار ؛ إِذْ قد زَالَت الْجَهَالَة عَنْهُمَا عينا وَحَالا كَمَا تقدَّم،فَلَا يضر حينئذٍ الِاخْتِلَاف فِي اسمهما .
الْوَجْه الثَّالِث من التَّعْلِيل: التَّعْلِيل بالإِرسال .
قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر: ذكر ابْن أبي عمر،والْحميدِي،والمخزومي،عَن ابْن عُيَيْنَة،عَن يَحْيَى بن سعيد،عَن رجل من أهل الْمغرب - يُقَال لَهُ: الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة -: «أنَّ نَاسا من بني مُدْلِج أَتَوا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالُوا: يَا رَسُول الله ! إنَّا نركب أَرْمَاثًا فِي الْبَحْر ...» وسَاق الحَدِيث بِمَعْنى حَدِيث مَالك .
قَالَ أَبُو عمر: هُوَ مُرْسل،وَيَحْيَى بن سعيد أحفظ من صَفْوَان بن سليم،وَأثبت من سعيد بن سَلمَة،وَلَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مِمَّا تقوم بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ حجَّة ؛ لِأَن فِيهِ رجلَيْنِ غير معروفين بِحمْل الْعلم .
وَأَرَادَ أَبُو عمر بِالرجلَيْنِ: سعيدًا والمغيرة،وَقد تقدَّم رَدُّ جهالتهما،وَأكْثر مَا بَقِي فِي هَذَا الْوَجْه - بعد اشتهار سعيد والمغيرة - تَقْدِيم إرْسَال الأحفظ،عَلَى إِسْنَاد من دونه،فإنَّ يَحْيَى بن سعيد أرْسلهُ من هَذَا الْوَجْه،وَسَعِيد بن سَلمَة أسْندهُ،وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي « (شرح) الإِلمام» : وَهَذَا غير قَادِح عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أهل الْأُصُول .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر - بعد أَن ذكر رِوَايَة من رَوَى عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أَبِيه وَقد جَوَّدَه عبد الله بن يُوسُف،عَن مَالك،عَن صَفْوَان،سمع (الْمُغيرَة) أَبَا هُرَيْرَة .
وَأَيْضًا تقدم رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه لعدم الِاضْطِرَاب فِيهَا،عَلَى رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد للِاخْتِلَاف عَلَيْهِ .
الْوَجْه الرَّابِع: التَّعْلِيل بِالِاضْطِرَابِ .
قد تقدم اتِّفَاق رِوَايَة مَالك،وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي،والجلاح،من جِهَة اللَّيْث،وَعَمْرو بن الْحَارِث .
وَأما ابْن إِسْحَاق: فَرَوَاهُ عَن يزِيد،عَن جلاح،عَن عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي،عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة،عَن أَبِيه،عَن أبي هُرَيْرَة،عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» كَذَلِك بالسند الْمَذْكُور (عَن أبي هُرَيْرَة) ،قَالَ: «أَتَى (رجال) من بني مُدْلِج إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله،إنَّا أَصْحَاب هَذَا الْبَحْر،نعالج الصَّيْد عَلَى رِمْث،فَنَعْزُب فِيهِ اللَّيْلَة والليلتين وَالثَّلَاث والأربع،ونحمل مَعنا من العذب لشفاهنا،فإنْ نَحن توضأنا بِهِ خشينا عَلَى أَنْفُسنَا،وإنْ نَحن آثرنا بِأَنْفُسِنَا،وتوضأنا من الْبَحْر،وجدنَا فِي أَنْفُسنَا من ذَلِك،فَخَشِينَا أَن لَا يكون طهُورا . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «توضئوا مِنْهُ،فإنَّه الطَّاهِرُ ماؤُه، (الحِلُّ) ميتَته» .