وَأما الْمُغيرَة بن أبي بردة: فقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد،وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي إِلَّا أَن يَحْيَى بن سعيد اخْتُلف عَلَيْهِ فِيهِ:
فَرَوَاهُ هشيم عَنهُ،عَن الْمُغيرَة،عَن رجل من بني مُدْلِج مَرْفُوعا .
وَرَوَاهُ حَمَّاد عَنهُ،عَن الْمُغيرَة، (عَن أَبِيه) ،عَن أبي هُرَيْرَة .
ذكرهمَا الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» .
وَرِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد: أخرجهَا أَيْضا فِيهِ،وَرَوَاهَا أَيْضا: أَحْمد بن عبيد الصَفَّار،صَاحب «الْمسند» . وَمن جِهَته أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: (فاتفاق صَفْوَان والجلاح) ،مِمَّا يُوجب شهرة سعيد بن سَلمَة،واتفاق يَحْيَى بن سعيد،وَسَعِيد بن سَلمَة،عَلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة،مِمَّا يُوجب شهرة الإِسناد،فَصَارَ الإِسناد مَشْهُورا .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَقد زِدْنَا عَلَى مَا ذكرنَا عَن ابْن مَنْدَه:رِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي،فتلخص أَن الْمُغيرَة رَوَى عَنهُ ثَلَاثَة،فبطلت دَعْوَى التفرد الْمَذْكُور عَن سعيد وَصَفوَان .
قَالَ فِي «شرح الإِلمام» : فالجهالة فِي حق سعيد ترْتَفع بِرِوَايَة الجلاح وَصَفوَان عَنهُ،وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين: بِرَفْع الْجَهَالَة عَن الرَّاوِي . والجهالة مُرْتَفعَة عَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ كَمَا تقدم،مَعَ كَونه مَعْرُوفا من غير الحَدِيث فِي مَوَاقِف (الحذر) فِي الحروب بالمغرب .
قَالَ: وَزَوَال الْجَهَالَة عَن سعيد بِرِوَايَة [ اثْنَيْنِ ] عَنهُ،وَعَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ يَكْتَفِي بِهِ من لَا يرَى أَنه لابد من معرفَة حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة،بعد زَوَال الْجَهَالَة عَنهُ،فإنْ كَانَ المصححون لَهُ قد علموها عَلَى جِهَة التَّفْصِيل،فَلَا إِشْكَال مَعَ ذَلِك،وإلاَّ فَلَا يبعد اعتمادهم عَلَى تحري مَالك،وإتقانه للرِّجَال أَو عَلَى الِاكْتِفَاء بالشهرة .
قلت: قد ثَبت ثِقَة سعيد بن سَلمَة،والمغيرة بن أبي بردة (صَرِيحًا) ، (فإنَّ الإِمام أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وثقهما،كَمَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «تهذيبه» ،وَكَذَلِكَ أَبُو(حَاتِم) ابْن حبَان،ذكرهمَا فِي كتاب «الثِّقَات» ) .
وَرَوَى الْآجُرِيّ عَن أبي دَاوُد،أَنه قَالَ: الْمُغيرَة بن أبي بردة مَعْرُوف . وأوضح ابْن يُونُس معرفَة عينه،فارتفعت عَنْهُمَا جَهَالَة الْحَال بِهَذَا،وجهالة الْعين بِمَا تقدم . وينضم إِلَى ذَلِك تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين لَهُ: التِّرْمِذِيّ،وَالْبُخَارِيّ،وَابْن الْمُنْذر،وَابْن خُزَيْمَة،وَابْن حبَان،وَالْبَيْهَقِيّ،وَابْن مَنْدَه،وَالْبَغوِيّ،وَغَيرهم .
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» : (مثل هَذَا الحَدِيث) الَّذِي صَدَّر بِهِ مَالك كتاب «الْمُوَطَّأ» ،وتداوله فُقَهَاء الإِسلام من عصره إِلَى وقتنا هَذَا،لَا يُردُّ بِجَهَالَة هذَيْن الرجلَيْن . قَالَ: عَلَى أَن اسْم الْجَهَالَة مَرْفُوع عَنْهُمَا بمتابعات . فَذكرهَا بأسانيده .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : الَّذِي أَقَامَ إِسْنَاده ثِقَة،أودعهُ مَالك فِي موطئِهِ .
الْوَجْه الثَّانِي من التَّعْلِيل: الِاخْتِلَاف فِي اسْم سعيد بن سَلمَة .
فَقيل - كَمَا قَالَ الإِمام مَالك -: سعيد بن سَلمَة،من (آل) ابْن الْأَزْرَق . وَقيل: عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي . وَقيل سَلمَة بن سعيد .
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ المخالفان لرِوَايَة مَالك (هما من رِوَايَة: مُحَمَّد بن إِسْحَاق،عَلَى الِاخْتِلَاف عَنهُ،وَالتَّرْجِيح لرِوَايَة مَالك) - مَعَ جلالته،وَعدم الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ - أولَى .