فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 701

الثَّانِي: أَنه نَاسخ،أَو مَنْسُوخ،قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: هَذَا الحَدِيث نَاسخ لما قبله،أَلا ترَاهُ يَقُول: «قبل مَوته بِشَهْر» . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بِحَدِيث مَيْمُونَة . وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدَّين ابْن تَيْمِية فِي «الْأَحْكَام» : أَكثر أهل الْعلم عَلَى أَن الدّباغ مُطَهِّر فِي الْجُمْلَة،لصِحَّة النُّصُوص بِهِ،وَخبر ابْن عكيم (لَا يقاربها) فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة لينسخها . وَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي (كِتَابيه) : «النَّاسِخ والمنسوخ» ، [ و ] «الْإِعْلَام» [ مَا ] مُخْتَصره: حَدِيث ابْن عكيم مُضْطَرب جدا،لَا يُقَاوم حَدِيث مَيْمُونَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ . زَاد فِي «الْإِعْلَام» : وَقَالَ قوم: يجوز أَن تكون أَحَادِيث الْإِبَاحَة قبل مَوته بِيَوْم أَو بيومين .

قَالَ: وَأجَاب آخَرُونَ عَنهُ: (بِأَنَّهُ) قد رَوَى فِي بعض أَلْفَاظه: «كنت رَخَّصت لكم فِي جُلُود الْميتَة» ،فَدَلَّ عَلَى تَقْدِيم أَحَادِيث الإِباحة،وصحَّ النّسخ . قَالَ: وَهَذِه اللَّفْظَة بعيدَة الثُّبُوت . قَالَ: ثمَّ يحْتَمل أَن يكون رخص فِي ذَلِك،ثمَّ نهَى،ثمَّ رخص .

وَلَقَد أَجَاد الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي،فِي كِتَابه «النَّاسِخ والمنسوخ» - وَهُوَ كتاب لَا نَظِير لَهُ فِي بَابه،فِي غَايَة التَّحْقِيق والنفاسة - فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث،فَقَالَ: حَدِيث ابْن عكيم هَذَا حسن،عَلَى شَرط أبي دَاوُد،وَالنَّسَائِيّ،أَخْرجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا من عدَّة طرق،وَقد رُوِيَ عَن الحكم من غير وَجه، (وفيهَا) اخْتِلَاف أَلْفَاظ .

قَالَ: وَمن ذهب إِلَى هَذَا الحَدِيث قَالَ: الْمصير إِلَى هَذَا الحَدِيث أَوْلَى،لِأَن فِيهِ دلَالَة النّسخ،أَلا ترَى أَن حَدِيث سَلمَة بن المحبق - يَعْنِي الْآتِي قَرِيبا - يدل (عَلَى) أَن الرُّخْصَة كَانَت يَوْم تَبُوك،وَهَذَا قبل مَوته بِشَهْر،فَهُوَ بعد الأول بِمدَّة . وَلِأَن فِي حَدِيث سَوْدَة: حَتَّى تخرقت،وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «كُنَّا (ننبذ) فِيهِ حتَّى صَار شَنًّا) . وَلَا تتخرق الْقرْبَة وَلَا تصير شَنًّا فِي شهر .

قَالَ: وَفِي بعض الرِّوَايَات،عَن الحكم بن (عتيبة) ،عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى: أَنه انْطلق وناس مَعَه إِلَى عبد الله بن عكيم ... نَحوا (مِمَّا) ذكرنَا .

قَالَ خَالِد: أما أَنه قد حَدَّثَنَي: أَنه كتب إِلَيْهِم قبل هَذَا الْكتاب بِكِتَاب آخر . قُلْتُ: فِي تَحْلِيله ؟ [ قَالَ ] : مَا تصنع بِهِ ؟ هَذَا بعده .

كَذَا رَوَاهُ الدَّارمِيّ،وَقَالَ: فِي قَول (خَالِد) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِم فِي ذَلِك تَحْلِيل قبل التَّشْدِيد،وأنَّ التَّشْدِيد كَانَ بعد .

قَالَ الْحَازِمِي: وَلَو اشْتهر حَدِيث ابْن عكيم،بِلَا مقَال فِيهِ - كَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الرُّخْصَة - لَكَانَ حَدِيثا أَوْلَى أَن يُؤخذ بِهِ،وَلَكِن فِي إِسْنَاده اخْتِلَاف: رَوَاهُ الحكم مرّة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى،عَن ابْن عكيم . وَرَوَاهُ عَنهُ الْقَاسِم بن مخيمرة،عَن خَالِد،عَن الحكم . وَقَالَ: إِنَّه لم يسمعهُ من ابْن عكيم،وَلَكِن من أنَاس دخلُوا عَلَيْهِ،ثمَّ خَرجُوا فأخبروه بِهِ .

قَالَ: وَلَوْلَا هَذِه الْعِلَل،لَكَانَ أولَى (الْحَدِيثين) أَن يُؤْخَذ بِهِ: حَدِيث ابْن عكيم ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْخَذ عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - بالآخِر فالآخِر،والأحدث فالأحدث . عَلَى أَن جمَاعَة أخذُوا بِهِ،وَذهب إِلَيْهِ من الصَّحَابَة: عمر بن الْخطاب،وَابْنه عبد الله،وَعَائِشَة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت