رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ،وَقَالَ أبان هَذَا مَتْرُوك . وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَفِي «مُصَنف عبد الرَّزَّاق» ،عَن معمر،عَن يَحْيَى بن أبي كثير،عَن رجل من الْأَنْصَار،عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: ماءان لَا ينقيان من الْجَنَابَة: مَاء الْبَحْر،وَمَاء الحَمَّام .
وَكَذَا رَوَى عَن أبي هُرَيْرَة،لكنه قَالَ: « (لَا) يجزيان» بدل: « (لَا) ينقيان» .
(و) قَالَ معمر: (ثمَّ) سَأَلت يَحْيَى عَنهُ بعد حِين،فَقَالَ: قد بَلغنِي مَا هُوَ أوثق من ذَلِك،أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عَن مَاء الْبَحْر فَقَالَ: «الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ، (حل) ميتَته» .
ثمَّ رَوَى (عَن) ابْن جريج عَن (سُلَيْمَان) بن مُوسَى،قَالَ: قَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ،حَلَال ميتَته» .
ثمَّ رَوَى عَن الثَّوْريّ حَدِيث أبان،عَن أنس السالف قَرِيبا .
وَاعْلَم أَن هَذِه الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا آخرا، (وفيهَا) ضعف،لَا (يقْدَح) فِي الطّرق السَّابِقَة،وإنَّما ذَكرنَاهَا للتّنْبِيه عَلَيْهَا .
ونختم الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث بخاتمتين:
إِحْدَاهمَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث: سعيد بن ثَوْبَان،عَن أبي هِنْد،عَن أبي هُرَيْرَة،أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «من لم يُطَهِّره مَاء الْبَحْر،فَلَا طَهَّره الله» .قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن .
قلت: فِيهِ نظر ؛ فإنَّ فِيهِ: مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ،وَإِبْرَاهِيم بن الْمُخْتَار،أما الأول: فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» - فِي بَاب «فرض الْجدّة والجدتين» -: لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَأما الثَّانِي: فَقَالَ أَحْمد بن عَلّي الأبَّار: سَأَلت زنيجًا أَبَا غَسَّان عَنهُ،فَقَالَ: تركته . وَلم يرضه،وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِذَاكَ .
الثَّانِيَة: فِي التَّنْبِيه عَلَى ضبط الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِيهِ،وَبَعض فَوَائده،بأوجز (عبارَة) ،فَإِنَّهُ حَدِيث عَظِيم،أصل من أصُول الطَّهَارَة،مُشْتَمل عَلَى أَحْكَام كَثِيرَة،وقواعد مهمة . قَالَ المارودي - من أَصْحَابنَا - فِي «الْحَاوِي» : قَالَ الْحميدِي: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث نصف علم الطَّهَارَة . فَنَقُول:
أَولهَا: «الْبَحْر» : هُوَ المَاء الْكثير،ملحًا كَانَ أَو عذبًا . مِمَّن نَص عَلَى ذَلِك: ابْن سَيّده فِي «الْمُحكم» ،قَالَ: وَقد غلب عَلَى الْملح،حتَّى قلَّ فِي العذب،وصرفوه عَلَى مَعْنَى الملوحة . وَقَالَ القَزَّاز: إِذا اجْتمع الْملح والعذب سموهُ باسم الْملح،أَي: بحرين . وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ (،قَالَ: وسُمي بذلك لسعته،من قَوْلهم: تَبحَّر الرجل فِي الْعلم . أَي: اتَّسع . وَقَالَ الْأَزْهَرِي: سميت الْأَنْهَار: بحارًا ؛ لِأَنَّهَا مشقوقة فِي الأَرْض شقًّا،وَمِنْه سميت البَحِيْرَة .
الثَّانِيَة: «الطّهُور» بِفَتْح الطَّاء: اسْم للْمَاء،وَبِضَمِّهَا: اسْم للْفِعْل . هَذَا هُوَ أشهر اللُّغَات فِيهِ . وَقيل: بِالضَّمِّ فيهمَا . وَقيل: بِالْفَتْح فيهمَا .
الثَّالِثَة: قَوْله «الحِلُّ» : هُوَ بِمَعْنى الْحَلَال، (كَمَا يُقَال فِي ضِدّه: حرم،وَحرَام،وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: «الْحَلَال) ميتَته» . كَمَا تقدم .
الرَّابِعَة: قَوْله: «ميتَته» : هُوَ بِفَتْح الْمِيم ؛ لِأَن المُرَاد: الْعين الْميتَة،وَأما (الْميتَة بِكَسْر الْمِيم: هَيْئَة الْمَوْت) .