الْحَادِيَة عشرَة: فِيهِ أَن (السّمك) الطافي - وَهُوَ الَّذِي مَاتَ فِي الْبَحْر بِغَيْر سَبَب - حَلَال،وَهُوَ مَذْهَبنَا،وَبِه قَالَ الْجُمْهُور،وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يحل .
الثَّانِيَة عشرَة:فِيهِ أَن ركُوب الْبَحْر جَائِز،اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يهيج،ويغلب عَلَى الظَّن الْهَلَاك،فَلَا لدَلِيل آخر .
الثَّالِثَة عشرَة: (فِيهِ) أَن المَاء إِذا خالطه مَاء أَزَال عَنهُ اسْم المَاء الْمُطلق،لم يجز الطَّهَارَة بِهِ عندنَا،وَبِه قَالَ الْجُمْهُور، (وجوَّزه) أَبُو حنيفَة . وَمَوْضِع الدّلَالَة لِلْجُمْهُورِ: أَنهم شَكُّوا فِي جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاءالْبَحْر من أجل ملوحته،فسألوا عَنهُ،فَلَو لم يكن (التَّغَيُّر) فِي الْجُمْلَة مؤثرًا لم يسْأَلُوا (عَنهُ) .
الرَّابِعَة عشرَة: فِيهِ أَن الْمُفْتِي إِذا سُئل عَن شَيْء،وَعلم أنَّ بالسائل حَاجَة إِلَى أَمر آخر مُتَعَلق بِالْمَسْأَلَة،يسْتَحبّ لَهُ أَن يذكرهُ لَهُ،ويعلمه إِيَّاه ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن مَاء الْبَحْر،فَأُجِيب بمائه وَحكم ميتَته ؛ لأَنهم يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَام كَالْمَاءِ،وَإِذا جهلوا كَونه مطهرًا فجهالتهم حل ميتَته أولَى،ونظائر هَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث .
الْخَامِسَة عشرَة: اسْم السَّائِل عَن الْبَحْر هُوَ: العَرَكي - بِفَتْح الْعين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ - هَكَذَا قَالَه السَّمْعَانِيّ فِي «الْأَنْسَاب» .
وَفِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني - (أَي: بِسَنَدِهِ) - عَن العركي،أَنه سَأَلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن مَاء الْبَحْر،فَقَالَ: «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته» .
وغَلَّطُوه - أَعنِي السَّمْعَانِيّ - فِي قَوْله: اسْمه «العركي» ،وَإِنَّمَا العركي وصفٌ لَهُ،وَهُوَ: مَلاَّح السَّفِينَة .
(و) تبعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله (الذَّهَبِيّ) فِي مُخْتَصره «معرفَة الصَّحَابَة» ،فَقَالَ: هُوَ اسْم (يشبه) النِّسْبَة،وَفِيه النّظر الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا،وإنَّما اسْمه: عبيد،وَقيل: عبد،بِالتَّصْغِيرِ وَالتَّكْبِير . وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ: الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ،فَقَالَ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» : عبد،أَبُو زَمعَة،البلوي،الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن مَاء الْبَحْر،قَالَ ابْن منيع: بَلغنِي أَن اسْمه: عبيد . وَأوردهُ الطَّبَرَانِيّ فِيمَن اسْمه عبيد . وَأوردهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بالعركي،والعركي: هُوَ الملاح،وَلَيْسَ لَهُ باسم . هَذَا لفظ أبي مُوسَى برمتِهِ . وَفِي «علل» أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ: أَن اسْمه عبد الله،كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة لَا بَأْس بهَا . وَقد تقدم أَن السَّائِل (هُوَ) : الفِراسي،أَو ابْن الفِراسي . وَقَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» : يُقَال: إنَّ هَذَا الرجل كَانَ من بني مُدْلِج .
قلت: قد ورد هَذَا صَرِيحًا،مَجْزُومًا بِهِ فِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» ،فَرَوَاهُ بِسَنَدِهِ إِلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة،عَن المدلجي، «أَنه أَتَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ...» فَذكر الحَدِيث . وَقَالَ ابْن بشكوال: إِنَّه عِنْده العركي، (وَكَذَا) أَبُو الْوَلِيد فِي «مشتبه النِّسْبَة» من تأليفه،ثمَّ قَالَ: وَقيل: هُوَ عبد الله المدلجي،وَسَاقه بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك . وَهَذَا الَّذِي قَالَه السَّمْعَانِيّ،وَأَبُو مُوسَى،والرافعي: إِنَّمَا ينفعنا فِي رِوَايَة من رَوَى: «أَن رجلا سَأَلَ» ،أَو «سَائِلًا (سَأَلَ) . فَأَما الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: أَن (رجَالًا) من بني مُدْلِج،أَو نَاسا» ،فَيحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَن اسمهم،وَالظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة .