الثالث: أنني توخيت بذلك أن أكون عونا لطلاب العلم والفقه عامة والحنابلة منهم خاصة الذين هم - فيما علمت - أقرب الناس إلى السنة على السلوك معنا في طريق الاستقلال الفكري الذي يعرف اليوم ب ( الفقه المقارن ) هذا الفقه الذى لا يعطيه حقه - اليوم - أكثر الباحثين فيه والمدرسين لمادته في ( كليات الشريعة ) المعروفة الآن فإن من حقه أن لا يستدلَّ فيه بحديث ضعيف لا تقوم به حجة . فترى أحدهم يعرض لمسألة من مسائله ويسوق الأقوال المتناقضة فيه ثم لا يذكر أدلتها التفصيلية فإذا كان فيها شئ من . الأحاديث النبوية"حشرها حشرا دون أن يبين ويميز صحيحها من حسنها بل ولا قويها من ضعيفها فيكون من نتيجة ذلك وآثاره السيئة أن تتبلبل أفكار الطلاب وتضطرب آراؤهم في ترجيح قول على قول آخر ويكون عاقبة ذلك أن يتمكن من قلوبهم الخطأ الشائع: أن الحق يتعدد،بل صرح بعضهم أخيرا فقال: إن هذه الأقوال المتعارضة كلها شرع الله ! وأن يزدادوا تمسكا بالحديث الباطل:"اختلاف أمتي رحمة" [1] "
(1) - وقال الألباني في تعليقه على هذا الحديث في الضعيفة 1/76 و77 (57) :"لا أصل له ،ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا ،حتى قال السيوطي في"الجامع الصغير": ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا ! ."
وهذا بعيد عندي ،إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - ،وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده .
ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: وليس بمعروف عند المحدثين ،ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع .
وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على"تفسير البيضاوي" ( ق 92 / 2 )
ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء ،فقال العلامة ابن حزم في"الإحكام في أصول الأحكام" ( 5 / 64 ) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث:
"وهذا من أفسد قول يكون ،لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا ،وهذا ما لا يقوله مسلم ،لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف ،وليس إلا رحمة أو سخط..."
"وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرًا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة,ولا يحاولون أبدًا الرجوع بها إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة كما أمرهم بذلك أئمتهم رضي الله عنهم, بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا بردِّ بعضها المخالف للدليل, وقبول البعض الآخر الموافق له،وهذا مالا يفعلونه, وبذلك نسبوا إلى الشريعة التناقض وهو وحده دليل على أنه ليس من الله عز وجل لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِن عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء, فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله, فكيف يصحُّ إذن جعله شريعة متبعة, ورحمة منزلة ؟".
أقول: في هذا الكلام خلط عجيب, لا أعتقد أن أحدًا من السابقين يقول به, وسأذكر بعضه:
الأول: زعمه أن (معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء) ولم يورد شيئا لإثبات هذا الزعم سوى قول ابن حزم،فهل ابن حزم رحمه الله هو مرجع الأمة وحده ؟.
وهل هو ممثل العلماء ؟
وأين هم المحققون الذين استنكروا معنى هذا الكلام ؟
والصواب أنه م يستنكره إلا ابن حزم ،وسائر أهل العلم قد ذكروه في كتبهم دون نكير.
وهنا يصف ابن حزم بالعلامة وبالتحقيق ،بينما في كتبه الأخرى يقول عنه غير ذلك ،وإليك البيان:
قال في تعليقه على الحديث"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير و الخمر.."قلت: وهذا إسناد صحيح ومتابعة قوية لهشام بن عمار وصدقة بن خالد ،و لم يقف على ذلك ابن حزم في"المحلى"،ولا في رسالته في إباحة الملاهي ،فأعل إسناد البخاري بالانقطاع بينه وبين هشام ،وبغير ذلك من العلل الواهية ،التي بينها العلماء من بعده وردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها ،مثل المحقق ابن القيم في"تهذيب السنن" ( 5 / 270 - 272 ) والحافظ ابن حجر في"الفتح"وغيرهما ،وقد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها ،يسر الله تبيضه و نشره .
وابن حزم رحمه الله مع علمه وفضله وعقله ،فهو ليس طويل الباع في الاطلاع
على الأحاديث وطرقها ورواتها . ومن الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث . السلسلة الصحيحة (91 )
وقال في كلامه على حديث -"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة .."
والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم ،لاسيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد ،فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم
المخالفة فكيف إذا خالف ؟ !السلسلة الصحيحة ( 204 )
وقال أيضًا"فلا يقبل بعد هذا قول ابن حزم فيه ( 8 / 196 ) :"وهو مجهول"وأعل الحديث به ،فإنه لا سلف له في ذلك ،وقد وثقه هؤلاء الأئمة".السلسلة الصحيحة (260 )
وقال أيضًا:"وقال أبو الفتح الأزدي وابن حزم: ضعيف". ومن عرف حال أبي الفتح الأزدي وما فيه من الضعف المذكور في ترجمته في"الميزان"وغيره و عرف شذوذ ابن حزم في علم الجرح عن الجماعة كمثل خروجه عنهم في الفقه لم يعتد بخلافهما لمن هم الأئمة الموثوق بهم في هذا العلم"السلسلة الصحيحة (503 ) "
وقال أيضا:"وفيما تقدم رد قوي على ابن حزم في قوله في"رسالة الملاهي" (ص97) : أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الآية بأنه الغناء ! قال:"وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا تقوم بقوله حجة " ! و مع سقوط كلامه هذا بما سبق ،فيخالفه صنيعه في"المحلى"،فقد ساق فيه الروايات المتقدمة عن ابن مسعود وابن عباس ،وعن غيرهما من التابعين ،ولم يضعفها ،وإنما قال: " لا حجة لأحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"!"
فنقول: كلمة حق أريد بها باطل ،لأنه لم يذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يخالف تفسيرهم . ثم زعم أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين ! وهذا كالذي قبله ،فإنه لم يذكر ولا رواية واحدة مخالفة ،ولو كان لديه لسارع إلى بيانها . ثم احتج بأن الآية فيها صفة من فعلها كان كافرا . فنقول: هذا حق ،ولكن ذلك لا ينفي أن يؤاخذ المسلم بقدر ما قام فيه من تلك الصفة ،كالالتهاء بالأغاني عن القرآن . السلسلة الصحيحة (2922 )
الثاني - عدم معرفته بأسباب اختلاف الفقهاء, وقد ألفت عشرات الكتب فيها قديمًا وحديثًا ككتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية رحمه الله وقد قمت بشرحه والتعليق عليه مطولا.
الثالث: يستحيل إزالة أسباب الخلاف إزالة تامة, لأنه يرجع إلى النصوص نفسها،فغالبها ليس قطعي الدلالة,بل ظني الدلالة, فكيف نرجع الخلاف إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة ؟.
الرابع: أن الفقهاء استنبطوا أحكامهم من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس وليس من فراغ .
الخامس: لو شاء الله تعالى لجعل نصوص هذه الشريعة كلها قطعية الدلالة لا تحتمل أكثر من معنى, ولكن لم يشأ ذلك, فكيف نزيل الخلاف ؟
السادس: يعني الفقهاء بقولهم الاختلاف رحمة: أنه يوجد في المسألة الواحدة أكثر من قول والمكلَّف في سعة من أمره طالما أنه لم يبلغ درجة الاجتهاد, وهذا الاختلاف موجود منذ عهد الصحابة وسيبقى إلى قيام الساعة،ولن يستطيع أحد إزالته .
السابع: قوله أنهم يرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة اهـ وعزاه لفيض القدير 1/209 .
قلت:"قال المناوي رحمه الله:"إن اختلافهم توسعة على الناس يجعل المذاهب كشرائع متعددة بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلها, لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحق الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم, ولم يكلفوا مالا طاقة لهم به, توسعة في شريعتهم السمحة السهلة, فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة وفضيلة جسيمة خصت بها هذه الأمة, فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوعها كشرائع متعددة له, وقد وعد بوقوع ذلك, فوقع, وهو من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - , أما الاجتهاد في العقائد فضلالٌ ووبالٌ كما تقرر"1/209"
وهناك فرق كبير بين كلام الشيخ ناصر وكلام المناوي .""
الثامن: منْ قال بأنَّ الشريعة متناقضةٌ ؟!،علمًا أن الفقهاء يصرحون ويقولون قال أبو حنيفة:رأيي في هذه المسألة كذا, . وهكذا غيره, لذلك يقولون لك إذا سألتهم عن حكم مسألة مثلًا: هذه حلال في المذهب الشافعي, ولا يقولون من الله .. بل إن اختلاف الفقهاء هو اختلاف تنوُّع وليس اختلاف تضادٍّ .
التاسع: ما علاقة الآية القرآنية باختلاف الفقهاء،ولا سيما أنها واردة في حقِّ القرآن الكريم وليس على غيره كما هو معلوم ؟ .
العاشر: ما قاله ابن حزم غير صحيح, إذا كان الاختلاف رحمة كان الاتفاق سخطًا, فهذا الثاني غير لازم قطعًا ولا مراد,والاختلاف من طبيعة البشر والحياة والنصوص, فمن أراد أن يزيله فليغير طبيعة البشر والحياة والنصوص حتى يتسنَّى له ذلك, ولا يقدر على هذا إلا اللهُ وحده.