فهرس الكتاب
تنبيه: التوقف عن قبول رواية الرواة إلا أن يصرحوا بالسماع ليس في عموم الرواة،لكن في مَنْ وُصِفَ بأنه مدلس،فهذا هو الذي نطلبُ منه أن يصرح بالسماع،ثم إنه ليس كل مدلس نطلب منه أن يصرح بالسماع .
وهنا تنبيه آخر: وهو أن الراوي قد يكون غير موصوف بالتدليس،لكن مع ذلك يلزمنا التحرِّي في سماعه ؛ لأنه قد يكون هذا الراوي روى عمّن عاصره ولم يلقه،أوعمّن لم يعاصره أصلًا،لكنَّ عدم المعاصرة ليس واضحًا ؛ لكون تاريخ الولادة والوفاة مجهولًا بالنسبة للشيخ والتلميذ،وقد تكون الطبقة محتملة كطبقة التابعين مع طبقة الصحابة،فالأمر هذا يكثر في طبقة التابعين،ويقلُّ في أتباع التابعين،ويكاد يندر فيمن سواهم . فنرجع إلى كتب المراسيل للتأكد من أن هذا الراوي لم يُحكم بعدم سماعه ممن روى عنه . ومن هذه الكتب وهو أجلّها: كتاب (المراسيل) لابن أبي حاتم،ثم تممّ هذا العمل العلائي في كتابه (جامع التحصيل) ،مثال منه [1] :
"حرف الألف"
[ 1 ] أبان بن عفان رضي الله عنه له عن أبيه في صحيح مسلم حديث لا ينكح المحرم ولا ينكح وذكر بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل أبان سمع من أبيه قال لا من أين سمع منه
[ 2 ] أبان عن أبي بن كعب وعنه محمد بن جحادة قال أبو حاتم هو مرسل
[ 3 ] إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي قال يحيى بن معين وأبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئا وقال أبو زرعة إبراهيم بن جرير عن علي رضي الله عنه مرسل
[ 4 ] إبراهيم بن طهمان لم يدرك الحكم قاله الذهبي في مختصر المستدرك
[ 5 ] إبراهيم بن عبد الله بن عبد القاري المدني عن علي رضي الله عنه قال أبو زرعة وغيره مرسل وعن يزيد بن عبد الله بن خصيفة وقيل بينهما رجل حكاه شيخنا الحافظ أبو الحجاج في كتابه تهذيب الكمال
[ 6 ] إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ولد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر في كتب الصحابة لذلك ولا رؤية له بل هو تابعي يروي عن أبيه وعمر رضي الله عنهما
[ 7 ] إبراهيم بن أبي عبلة قال بن أبي حاتم سمعت أبي يقول لم يدرك عبادة بن الصامت وذكر في التهذيب أنه روى عن بن عمر رضي الله عنهما ولم يدركه بل هو مرسل"اهـ"
ثم تممّ هذا العمل أيضًا أبو زرعة العراقي في كتابه (تحفة التحصيل برواة المراسيل) وكلُّ هذه الكتب مطبوعة .
وأيضًا كتب التراجم كـ (تهذيب الكمال) و (تهذيب التهذيب) ،كثيرًا ما تنصّ على السماع وعدمه وعلى المراسيل . وأيضًا عموم كتب العلل والسؤالات القديمة والتواريخ القديمة،مثل: (تاريخ يحيى بن معين) برواية الدوري،أو (تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين) ،وغيرها .
فإذا بحثنا فلم نجد ما سبق،ننظر هل وُصف بالتدليس؟ فإن لم يوصف بالتدليس،ولم نقف على حكم بعدم سماعه،والطبقة تحتمل السماع،فنقبل روايته ولو عنعن فإنا نقبل هذه العنعنة.
أما إذا وُصِفَ بالتدليس،فأنظر -أولًا-: ماهو نوع تدليسه الذي وصف به ؟ فإن كان تدليسه تدليس شيوخ أو تدليس بلدان،فلا يؤثر ذلك على قبول عنعنته ؛ لأن تدليس الشيوخ لا علاقة له بصيغ الأداء وإنما هو تعمية اسم الراوي أو كنيته أو لقبه،وذكره بغير ما يعرف به،فإذا كان ذلك فعلينا أن نعيّن الراوي فقط،فإذا عرفناه حكمنا عليه بما يلزم،وإذا لم نعرفه نتوقف في الحكم على الحديث؛لأن هذا الراوي أشبه عندنا المجهول الذي لا نستطيع أن نحكم على حديثه لا بصحة ولا بضعف .
(1) - جامع التحصيل - (ج 1 / ص 28)