يلاحظ أننا لم نذكر مرتبة للوضع،فلم نقل مراتب الحكم بالوضع ؛ وذلك لأن الوضع حكمٌ على الحديث،وليس حكمًا على الراوي،ولذلك نبّه العلماء فقالوا: ربما صدق الكذوب .فلا يكفي للحكم على الحديث بأنه موضوع مجرد أن يكون فيه راوٍ كذاب،أو يكون فيه راوٍ من مراتب الضعف الشديد،بل أكتفي بالحكم على إسناد الحديث بأنه إسناد شديد الضعف أو ضعيف جدًا،ولا أقول: موضوع حتى تكون هناك قرينة .
هناك كتب أُلّفت في قضايا الجرح والتعديل،ومراتبه، من أشهرها (الرفع والتكميل) للكنوي،وكتاب (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل) لأبي الحسن المصري،وكتاب (ضوابط الجرح والتعديل) للشيخ د/ عبدالعزيز العبدالطيف،وهو كتاب جيّد على اختصاره،وكتب المصطلح عمومًا تعتني ببيان مراتب الجرح والتعديل .
*تنبيهات حول قضايا الجرح والتعديل:
الأول: وجوب التنبه إلى الاصطلاحات الخاصة لبعض الأئمة
حيث إن الاصطلاحات قد يكون لها معنىً خاص عند إمام،يختلف هذا المعنى عند الجمهور،كما ذكروا عن البخاري أن عبارة"سكتوا عنه" [1] عنده تدلُّ على التضعيف الشديد،مع أن ظاهر العبارة أنهم ما تكلموا فيه،مع أن المراد العكس أي أنهم تكلموا فيه كلاما جارحًا شديدًا،فقصد بتلك العبارة أنهم أصبحوا لا يعتبرونه شيئًا . وكما ذكروا أيضًا عن يحيى بن معين أنه إذا قال:"ليس بشيء"،فإنه يقصد قليل الحديث،وإن كان هذا القول ليس على إطلاقه،وأن الصواب أن يحيى بن معين يقول هذه العبارة في الغالب،والأصل أنه يقصد بها التضعيف الشديد،إلا أنه أطلقها مرّات وأراد بها قلة الحديث .
وقد نبّه على أهمية قضية الاصطلاحات الخاصة الإمام الذهبي في كتابه (الموقظة) ،حيث قال [2] :"نحن نفتَقِرُ إلى تحرير عباراتِ التعديلِ والجرح وما بين ذلك،من العباراتِ المُتَجَاذَبَة ،ثم أهَمُّ من ذلك أن نَعلمَ بالا ستقراءِ التامِّ: عُرْفَ ذلك الإمامِ الجِهْبِذ،واصطلاحَه،ومقاصِدَه،بعباراتِه الكثيرة ."
أما قولُ البخاري: ( سكتوا عنه) ،فظاهِرُها أنهم ما تعرَّضوا له بجَرْح ولا تعديل،وعَلِمنا مقصدَه بها بالا ستقراء: أنها بمعنى تركوه .
وكذا عادَتُه إذا قال: ( فيه نظر ) ،بمعنى أنه متَّهم،أو ليس بثقة .فهو عنده أسْوَأُ حالًا من ( الضعيف )
وبالاستقراءِ إذا قال أبو حاتم: ( ليس بالقوي ) ،يُريد بها: أنَّ هذا الشيخ لم يَبلُغ درَجَة القويِّ الثَّبْت . والبخاريُّ قد يُطلقُ على الشيخ: ( ليس بالقوي ) ،ويريد أنه ضعيف .
ومن ثَمَّ قيل: تجبُ حكايةُ الجرح والتعديل،فمنهم من نَفَسُهُ حادٌّ في الجَرْح،ومنهم من هو معتدِل،ومنهم من هو متساهل .
(1) - ففي تاريخ البخاري (ج 1 / ص 60) [ 331 ] محمد بن شجاع بن نبهان مولى قريش المروزي سكتوا عنه
وفي ميزان الاعتدال - (ج 3 / ص 577) 7663 - محمد بن شجاع النبهاني.عن أبي هارون العبدى،وغيره.قال ابن المبارك: ليس بشئ ،وقال غير واحد: متروك،وقال البخاري: محمد بن شجاع بن نبهان مروزى سكتوا عنه.قلت: روى عنه نعيم بن حماد،وهدبة بن عبد الوهاب.
وفي لسان الميزان للحافظ ابن حجر - (ج 7 / ص 78) [ 4620 ] محمد بن شجاع بن نبهان النبهاني المروزي نزيل المدائن عن زيد العمي قال ابن المبارك ليس بشيء وعنه نعيم بن حماد وزيد بن الحباب وعيسى غنجار""
وقوله في الأعم الأغلب عن راوٍ فيه نظر أو سكتوا عنه يعني به الجرح الشديد وغالبه وافقه عليه غيره ،وبعضه مما خالفه غيره والصواب مع غيره أمثلة:
تمام بن نجيح وراشد بن داود الصنعاني وثعلبة بن زيد الحماني وجعدة المخزومي وجميع بن عمير وحبيب بن سالم وحريث بن خرّيت وسليمان بن داود الخولاني وطالب بن حبيب المدني الأنصاري وصعصعة بن ناجية وعبد الرحمن بن سلمان الرّعيني وغيرهم فقد قال فيهم ما ذكرناه ،ووثقهم غيره ،والصواب معهم فتنبه.
(2) - الموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 19)